استيقظت مدينة غبزة في ولاية كوجالي، القريبة من إسطنبول، على فاجعة إنسانية إثر انهيار مبنى سكني مكوّن من سبعة طوابق في حي مولانا صباح الأربعاء.
الحادث وقع في نحو السابعة والنصف صباحًا، وأسفر عن مقتل أم وأب وطفليهما، فيما نُقلت ابنتهما الكبرى إلى المستشفى بعد إنقاذها من تحت الأنقاض وهي على قيد الحياة.
فرق الإنقاذ واصلت عملها لأكثر من إحدى عشرة ساعة متواصلة، استخدمت خلالها أجهزة استشعار صوتيّة وكلاب بحث وطائرات مسيّرة لتحديد أماكن العالقين. وبعد جهود مضنية، عُثر على جثتي الطفلين محمد أمير البالغ من العمر اثني عشر عامًا، وخير النساء البالغة أربعة عشر عامًا، بينما انتُشلت جثتا الوالدين في وقت لاحق من المساء.
عمليات إنقاذ واسعة وسط حذر من انهيارات جديدة
السلطات سارعت إلى إخلاء تسعة مبانٍ مجاورة كإجراء احترازي خشية امتداد الانهيار، فيما نُشرت في الموقع أكثر من مئة وأربعين عاملاً بينهم ثمانون من هيئة الطوارئ والكوارث، إلى جانب عشرات الآليات والمعدات المتخصصة.
المبنى المنهار شُيّد عام 2012، ولم تُسجّل آنذاك مخالفات واضحة في تراخيصه، إلا أن الانهيار المفاجئ أعاد الجدل حول مدى صلابة أساساته وجودة المواد المستخدمة في بنائه. وزير الداخلية أكد أن المبنى “انهار من تلقاء نفسه” دون وجود أي تفجير أو عامل خارجي مباشر، مشيرًا إلى أن التحقيقات ما تزال جارية لتحديد الأسباب بدقة.
فرضيات حول أسباب الانهيار
رغم عدم صدور تقرير رسمي بعد، تباينت الروايات حول السبب المحتمل. بعض السكان ربطوا الحادث بأعمال الحفر الجارية في مشروع مترو غبزة–داريجا الذي يمر على بعد أمتار قليلة من المبنى، مؤكدين أن الاهتزازات اليومية الناتجة عن أعمال الحفر ربما أضعفت التربة.
في المقابل، أشار آخرون إلى احتمال وجود صلة بين الانهيار والهزة الأرضية التي ضربت محافظة باليكسير قبل يومين، وبلغت قوتها ست درجات تقريبًا، وشعر بها سكان إسطنبول وكوجالي والمناطق المحيطة.
تحذيرات مسبقة لم تلقَ استجابة
شهادة الصيدلي أوغور أيدن، الذي كان يدير صيدلية في الطابق الأرضي للمبنى، أثارت تساؤلات إضافية. فقد قال إنه لاحظ قبل يوم من الكارثة “هبوطًا بسيطًا” في المدخل الرخامي للبناية دون وجود تشققات في الأعمدة، مشيرًا إلى أنه أبلغ الجهات المختصة التي أكدت في حينه عدم وجود خطر. وأُغلقت الصيدلية في يوم الحادث تزامنًا مع عطلة وطنية، ما حال دون وقوع ضحايا إضافيين.
انتقادات سياسية ودعوات للمحاسبة
الحادث أثار غضبًا في الأوساط السياسية، حيث عبّر النائب عن حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب المؤيد للأكراد عمر فاروق جرجرلي أوغلو عن استنكاره لانهيار المبنى رغم التحذيرات السابقة من أخطار مشاريع البناء غير الآمنة في المنطقة. وأشار إلى أنه كان قد حذّر قبل أيام من الأضرار البيئية الناتجة عن أعمال المترو، داعيًا إلى محاسبة المسؤولين عن التقصير والإهمال.
أزمة الثقة في معايير البناء التركية
تركيا تواجه منذ سنوات أزمات متكررة تتعلق بسلامة المباني، إذ تتكرر حوادث الانهيار سواء نتيجة الزلازل أو بسبب ضعف التنفيذ والمراقبة. وعلى الرغم من تعديل القوانين الإنشائية بعد زلزال مرمرة المدمّر عام 1999، الذي أودى بحياة عشرات الآلاف، إلا أن تطبيق هذه المعايير ما زال موضع جدل واسع.
الخبراء يؤكدون أن منح “عفو البناء” الذي يسمح بتسوية مخالفات المباني مقابل غرامات مالية، ساهم في انتشار الأبنية غير الآمنة. كما أن ضعف الرقابة على شركات المقاولات وغياب خطط تحديث المباني القديمة، يجعلان كل هزة أرضية أو مشروع حفر جديد مصدر تهديد محتمل للسكان.
سوابق مؤلمة في الذاكرة التركية
حادثة كوجالي أعادت إلى الأذهان انهيار مبنى “زمرد” الشهير في قونية عام 2004، عندما سقط برج سكني مكوّن من أحد عشر طابقًا بسبب عيوب إنشائية، ما أدى إلى مقتل العشرات. الحادث آنذاك، الذي لم يكن مرتبطًا بنشاط زلزالي، دفع الحكومة إلى التعهد بتشديد الرقابة، إلا أن الوقائع اللاحقة كشفت استمرار الثغرات نفسها.

