في أحدث حلقاته النقدية، شنّ الصحفي والمحلل السياسي التركي أرقم طوفان هجومًا لاذعًا على المشهد السياسي في بلاده، واصفًا التطورات الأخيرة بأنها “عرض مكثف للانحطاط المؤسسي والازدواجية الأخلاقية”، متناولًا ثلاثة ملفات متفجرة: عودة بعض المنشقين إلى حضن السلطة، والصراع بين القضاء والإعلام الموالي، وفضيحة المراهنات داخل كرة القدم التركية.
عودة “المنشقين” إلى حضن القصر: المبادئ التي بيعت في سوق السياسة
يبدأ طوفان تحليله بالحديث عن تصريحات أحمد داود أوغلو وعلي باباجان، اللذين أعلنا مؤخرًا أنهما لا يحملان أي ضغينة تجاه الرئيس رجب طيب أردوغان، وأنهما لا يشككان في “إيمانه بالله ولا في حبّه للوطن”.
ويشير إلى أن هذه اللغة الجديدة تعني عمليًا تهيئة الطريق للعودة السياسية إلى صفوف السلطة، بعد سنوات من الانتقاد اللاذع لما وصفوه سابقًا بـ“النظام الفردي”.
ويذكّر طوفان بأن الرجلين أسّسا أحزابًا بدعوى “استعادة الأخلاق السياسية والديمقراطية”، لكنهما اليوم “يقفان بابتسامات واثقة بجانب من كانوا يصفونه بالاستبداد”. ويضيف أن مثل هذه المواقف تكشف “قانون الصمت” الذي حكم سلوكهما منذ أن كانا في السلطة، حين التزما الصمت تجاه قضايا الفساد، والانتهاكات، وعمليات القمع التي وقعت خلال فترة حكمهما.
وفي إشارة إلى ملفات الفساد الكبرى مثل قضية “خلق بنك“، يتساءل طوفان: “هل يمكن لعلي باباجان، الذي كان يشرف على هذه المؤسسة حينها، أن يدّعي الجهل بما جرى داخلها؟”.
ويشير إلى أن داود أوغلو، بدوره، لم يفسر يومًا “التصاعد المفاجئ في العمليات الإرهابية التي مهّدت لعودة حزب العدالة والتنمية إلى الحكم منفردًا بعد أن فقده بدخول 80 كرديا إلى البرلمان في 2015”، مكتفيًا بالصمت الذي وصفه بأنه “جزء من خطة أعمق”.
ويرى طوفان أن إشارات “الدفء المتجدد” بين داود أوغلو وباباجان من جهة، والقصر الرئاسي من جهة أخرى، تعكس إعادة تدوير سياسية تشبه ما جرى مع نعمان كورتولموش وسليمان صويلو، اللذين بدآ كمعارضين ثم أصبحا من أبرز رجال السلطة.
ويخلص إلى أن “أخطر ما في المشهد التركي هو أنّ من يبدأ رحلته باسم المبادئ، ينتهي غالبًا عند محطة المصالح”، معتبرًا أن عودة هؤلاء ليست إلا “إعادة إنتاج للنخبة القديمة تحت شعار الوطنية”.
صدام داخل بيت النظام: القضاء والإعلام الموالي وجهاً لوجه
في محور ثانٍ، ينتقل طوفان إلى ما وصفه بـ “فضيحة الأخوة المتصارعين“ بين رئيس الدائرة الحادية عشرة في محكمة التمييز عبد الله يامان وصحيفة يني شفق الموالية لأردوغان. فقد نشرت الصحيفة تقريرًا تتهم فيه القاضي بالتلاعب بملفات القضايا وتحويل بعضها إلى دائرته الخاصة، فيما يشبه “مناورة قضائية لصالح أطراف مالية كبرى”.
ويرد يامان بغضب شديد، مستخدمًا لغة شديدة غير مسبوقة، إذ وصف الصحيفةَ ومن يقف وراءها بـ “العصابة المنافقة التي تتستر بالدين”، متهمًا إياها بمحاولة “الابتزاز الإعلامي” بعد أن رفض منحها تسهيلات قانونية.
وأكد القاضي أنه مستعد لفتح سجلاته المصرفية واتصالاته الهاتفية لإثبات براءته، متحديًا الصحيفة أن تقدم أي دليل على اتهاماتها.
يرى طوفان أن هذا الصدام يكشف عمق الانقسامات داخل المنظومة الحاكمة نفسها، حيث لم تعد الخلافات تدور بين المعارضة والنظام، بل “داخل أروقة النظام ذاته بين أذرعه القضائية والإعلامية”.
ويخلص إلى أن “الطرفين يتبادلان تهم الفساد والانحراف، لكن النتيجة واحدة: انعدام الثقة العامة في كل ما تبقّى من مؤسسات الدولة”. ويختم هذا الجزء بعبارة لافتة: “حين يتحول القضاء إلى أداة، والإعلام إلى بوق، تصبح العدالة والحقيقة هي الضحية الوحيدة”.
الرياضة في مرمى الفساد: المراهنات تلطخ سمعة كرة القدم التركية
وفي محور ثالث، يتناول طوفان تصريحات رئيس الاتحاد التركي لكرة القدم إبراهيم حاجي عثمان أوغلو، الذي كشف عن تورط أكثر من مئة وخمسين حكمًا في المراهنات الرياضية، من أصل نحو خمسمئة وسبعين حكمًا عاملًا في الدوريات التركية.
ويقول طوفان إن هذه الفضيحة “تكشف أن الانحراف لم يعد استثناءً بل أصبح قاعدة”، موضحًا أن كل ثالث حكم تقريبًا متورط في المراهنات، مما يعني أن “نتائج المباريات قد تكون رهينة المال لا المهارة”.
ويضيف أن هذه الظاهرة ليست معزولة، بل تأتي في إطار “منظومة متعفنة تمتد من السياسة إلى الرياضة”، مؤكدًا أن الفساد في الملاعب يعكس الفساد في الحكم.
ويقول ساخرًا: “إذا كان الحكام في الملعب يراهنون، فذلك لأنهم تعلموا من الذين يحكمون القصر كيف يراهنون على مصير الوطن”.
ويتابع: “حين يغيب القانون في الحكم، لا يمكن أن يوجد عدل في الرياضة. من يريد كرة قدم نزيهة عليه أن يبدأ بتنظيف القمة، لا الميدان”.

