توجه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى الدوحة في إطار تحرك عسكري ودبلوماسي جديد يسعى من خلاله إلى تجديد قدرات السلاح الجوي عبر التفاوض على شراء عدد من مقاتلات »يوروفايتر تايفون« المستعملة من قطر، في وقت تواصل فيه تركيا جهودها لتعويض الفراغ الذي خلّفه استبعادها من برنامج المقاتلة الأمريكية F-35. وتكشف هذه الزيارة عن تزايد التقاطعات بين الطموح الدفاعي التركي وحسابات السياسة الإقليمية والدولية.
مفاوضات عسكرية في الدوحة: «تايفون» مستعملة مقابل تعاون تقني
وصل الرئيس أردوغان إلى العاصمة القطرية مساء الثلاثاء قادمًا من الكويت، ومن المنتظر أن يلتقي أمير قطر صباح الأربعاء لبحث ملفات التعاون الثنائي، وعلى رأسها التعاون الدفاعي. وتشير معلومات أمنية إلى أن أنقرة تسعى لاقتناء عدد من الطائرات القطرية المستعملة من طراز “يوروفايتر تايفون“، مقابل منح الدوحة فرصة الوصول الجزئي إلى تكنولوجيا المقاتلة التركية الجديدة قاآن (KAAN) ضمن اتفاق محتمل لتبادل التكنولوجيا.
ورغم أن المفاوضات لم تُسفر حتى الآن عن نتائج ملموسة، إلا أنها ما تزال مفتوحة وسط رغبة مشتركة في تعزيز التعاون الدفاعي بين البلدين.
تحديث القوة الجوية التركية بعد أزمة الـF-35
تأتي هذه المفاوضات ضمن خطة تركية شاملة لتحديث القوات الجوية بعد أن أُخرجت أنقرة من برنامج المقاتلة الأمريكية F-35عام 2019، إثر شرائها منظومة الدفاع الجوي الروسية S-400، وهو ما أثار اعتراضات أمريكية خشية تسرب تقنيات الناتو إلى روسيا. ومنذ ذلك الحين، تسعى تركيا لتعويض هذا النقص عبر تنويع مصادر تسليحها والبحث عن بدائل أوروبية وآسيوية.
وقد حاولت أنقرة في الأعوام الأخيرة شراء أربعين طائرة «يوروفايتر تايفون» جديدة من الكونسورتيوم الأوروبي الذي يضم ألمانيا وبريطانيا وإسبانيا وإيطاليا، لكن الصفقة تعثرت بسبب تحفظات ألمانية سياسية مرتبطة بملفات إقليمية وحقوقية. وفي ظل هذه العراقيل، يبدو الاتجاه نحو الأسطول القطري خيارًا عمليًا لتجديد القدرات الجوية سريعًا دون انتظار الضوء الأخضر من برلين.
صفقة بديلة أم ورقة ضغط على واشنطن؟
يرى مراقبون أن سعي أنقرة للحصول على مقاتلات «يوروفايتر» لا يقتصر على تلبية حاجات عسكرية عاجلة، بل يشكل أيضًا وسيلة ضغط على الولايات المتحدة من أجل استئناف التعاون الدفاعي ورفع القيود المفروضة على صفقات السلاح. فبالنسبة للمؤسسة العسكرية التركية، تبقى الأولوية الرئيسية هي الحصول على طائرات F-16 المطوّرة واستعادة موقعها داخل برنامجF-35 الذي حُرمت منه منذ خمس سنوات.
ورغم تأكيدات أردوغان السابقة بأن العقوبات الأمريكية ستُرفع قريبًا، فإن حالة الجمود السياسي داخل الكونغرس الأمريكي تُبقي هذا الملف معلقًا، مع ترجيحات بتأجيل أي تقدم إلى ما بعد مطلع العام المقبل.
قطر: شريك دفاعي موثوق ومورد محتمل
تربط تركيا وقطر شراكة دفاعية واستراتيجية قوية منذ ما يقرب من عقد، تعززت بإنشاء قاعدة عسكرية تركية في الدوحة عام 2015. كما تُعد الدوحة أحد أبرز المستثمرين في الصناعات الدفاعية التركية. وكانت قطر قد طلبت عام 2017 شراء24 طائرة “يوروفايتر تايفون“، وأعلنت في ديسمبر الماضي نيتها اقتناء 12 طائرة إضافية، ما يجعلها من الدول الخليجية القليلة المالكة لهذا الطراز المتقدم.
وترى أنقرة أن التعاون مع الدوحة في هذا الملف يتيح لها الالتفاف على بعض القيود الأوروبية المفروضة على تصدير الأسلحة، إذ يمكن تنفيذ صفقة طائرات مستعملة دون الحاجة إلى موافقة مباشرة من جميع أعضاء الكونسورتيوم الأوروبي.
“قاآن”: رهان تركيا على الاستقلال الدفاعي
بالتوازي مع بحثها عن حلول خارجية، تواصل تركيا الاستثمار في مشروعها الوطني “قاآن“، الذي تطوره شركة الصناعات الجوية والفضائية التركية. ويُعد هذا المشروع حجر الأساس في طموح أنقرة لإنتاج مقاتلة من الجيل الخامس بقدرات محلية كاملة، ما يقلل اعتمادها على السلاح الغربي مستقبلاً.
وتسعى أنقرة إلى إشراك شركاء إقليميين، مثل قطر، في عملية تطوير أو تمويل المشروع، بما يعزز قدراتها التكنولوجية ويُكسبها مكانة جديدة في أسواق الدفاع العالمية.
بين الطموح الصناعي والقيود السياسية
تعكس تحركات أنقرة في هذا الملف توازنًا دقيقًا بين الطموح الصناعي والقيود السياسية الدولية. فتركيا، التي تواجه عراقيل في علاقاتها الدفاعية مع الغرب، تحاول بناء شبكة بديلة من الشراكات الثنائية في الخليج وآسيا وأوروبا، مع الاستمرار في تطوير صناعاتها الدفاعية المحلية بوتيرة متسارعة.
ومع أن صفقة «تايفون» القطرية لم تُحسم بعد، إلا أن دلالاتها السياسية والاستراتيجية واضحة: تركيا تسعى إلى التحرر من القيود الغربية عبر تنويع مصادر السلاح وبناء قاعدة صناعية مستقلة، دون قطع خطوط التواصل مع شركائها في الناتو.

