في مشهد السياسة الشرق أوسطية، غالباً ما تطغى الرمزية على جوهر المواقف، حيث تُبنى التحالفات والصور الإعلامية بقدر ما تُصاغ الاتفاقات الفعلية. هذا ما بدا جلياً في الاجتماع الذي عُقد في نيويورك على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة، والذي ظهر بمثابة منصة مشتركة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس التركي رجب طيب أردوغان لمناقشة خطة وقف إطلاق النار في غزة.
ورغم أن الظهور العلني أوحى بدور تركي مركزي في المفاوضات، إلا أن الحقائق الكامنة خلف الكواليس تكشف، بحسب الدبلوماسي التركي السابق عمر مراد، عن دور رمزي أكثر منه جوهري.
الخلفية: خطة ترامب ذات النقاط العشرين
جوهر هذا المشهد الدبلوماسي تمثل في خطة سلام مؤلفة من عشرين بنداً، صيغت بعد أشهر من الاتصالات السرية والمداولات غير المعلنة. ويوضح مراد، في مقال له بموقع “توركيش مينوت” أن الخطة وُضعت على أيدي أربع شخصيات محورية: المبعوث الأمريكي إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف، ومستشار ترامب وصهره جاريد كوشنر، ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، ووزير الشؤون الاستراتيجية القطري علي الذوادي.
كان من المقرر أن يترأس بلير لجنة انتقالية تدير قطاع غزة في مرحلة ما بعد الحرب، غير أن تاريخه في الحرب على العراق أثار اعتراضات واسعة في الأوساط العربية والإسلامية، ما دفع إلى تجميد الفكرة مؤقتاً.
الدور القطري المحوري والضغط على واشنطن
يشير مراد إلى أن الدور القطري كان حاسماً في استمرار العملية التفاوضية، خصوصاً بعد الغارة الإسرائيلية التي استهدفت أعضاء من وفد حركة حماس في الدوحة في سبتمبر الماضي.
حينها، لوّحت قطر بالانسحاب من المفاوضات ما لم تُقبل شروطها، الأمر الذي أجبر إدارة ترامب على الاستجابة لتلك المطالب حفاظاً على مسار المفاوضات.
ورغبةً في إضفاء شرعية إسلامية على الخطة، ضغطت الدوحة على ترامب لعقد قمة نيويورك بمشاركة قادة دول مسلمة بارزة، لتبدو الخطة وكأنها مبادرة جماعية لا إملاء أمريكياً على الفلسطينيين.
أنقرة في الصورة: دبلوماسية الرموز والمقاعد
رغم أن أنقرة لم تشارك فعلياً في صياغة الخطة أو إدارتها، فإن ظهور أردوغان إلى جانب ترامب، وأمير قطر، وملوك الأردن وإندونيسيا في اجتماع نيويورك، منح تركيا موقعاً ظاهريا يوحي بالقيادة.
ويلاحظ مراد أن ترتيب الأعلام في القاعة — حيث وُضع العلم القطري مباشرة بعد العلم الأمريكي وقبل التركي — يعكس تعديلاً متعجلاً في ترتيب المقاعد، ربما بطلب من أردوغان لتعزيز الانطباع الداخلي بتمحور الجهود حوله.
بالنسبة لقطر، لم يكن هذا الترتيب مثيراً للتحفظ، بل فرصة لتوزيع الأعباء السياسية على دول ذات ثقل شعبي مثل تركيا ومصر، لتخفيف حدة الانتقادات الشعبية تجاه الدوحة.
الحضور البريطاني الغائب: حسابات الصورة الاستعمارية
في المقابل، غابت بريطانيا عن الصفوف الأولى لحفل التوقيع في القاهرة، رغم مشاركتها النشطة في خلفية الخطة عبر توني بلير ومستشار الأمن القومي البريطاني جوناثان باول. ويفسر مراد هذا الغياب برغبة واشنطن وشركائها العرب في تجنّب إثارة الحساسيات التاريخية المرتبطة بالإرث الاستعماري البريطاني في المنطقة، ما جعل لندن تكتفي بدور الكواليس بينما تصدّرت تركيا وقطر ومصر المشهد العلني.
بيان نيويورك: غياب الضمانات والغموض التركي
البيان المشترك الذي صدر لاحقاً عن البيت الأبيض لم يتضمّن أي تفاصيل ملموسة حول مساهمة تركيا أو التزاماتها في تنفيذ الخطة. ورغم أن الإعلام التركي روج لفكرة أن أنقرة ستعمل كـ”ضامن” لتنفيذ وقف إطلاق النار، إلى جانب الولايات المتحدة وقطر ومصر، إلا أن الوثيقة الرسمية، المعنونة باسم »إعلان ترامب من أجل السلام والازدهار الدائم«، خلت من أي ذكر لهذا الدور أو لأي آلية إنفاذ واضحة.
وبذلك، يوضح مراد أن الحديث عن دور تركي ضامن يبقى في نطاق الخطاب السياسي الداخلي أكثر من كونه التزاماً قانونياً أو دبلوماسياً فعلياً.
القوة الدولية في غزة: وعود بلا تفويض
تضمنت الخطة بنداً لإنشاء قوة دولية مؤقتة لتأمين غزة إلى حين تشكيل قوة أمن فلسطينية جديدة. وقد أعلن أردوغان لاحقاً استعداد بلاده للمشاركة في هذه القوة، إلا أن مراد يشير إلى أن أي انتشار عسكري من هذا النوع يحتاج إلى تفويض من مجلس الأمن الدولي، وهو ما لم يتحقق بعد، مما يجعل هذه الوعود أقرب إلى الرمزية منها إلى الواقع التنفيذي.
تركيا وحماس: النفوذ المحدود والمأزق المزدوج
بحسب مراد، اقتصر الدور التركي الواقعي حتى الآن على ممارسة ضغط سياسي مشترك مع قطر ومصر على حركة حماس للقبول المبدئي بخطة ترامب. ويرى أن علاقة أنقرة بحماس، المبنية على خلفية أيديولوجية إسلامية مشتركة، تمنحها بعض النفوذ، لكنها في الوقت ذاته تجعلها موضع شك في نظر إسرائيل، التي تعتبر تركيا وسيطاً غير موثوق. ومن ثم، فإن هذا القرب من حماس يضعف قدرة أنقرة على التأثير في المسار الفلسطيني الإسرائيلي على المدى الطويل، خاصة في ظل التنسيق الوثيق بين حكومة نتنياهو وإدارة ترامب السابقة.
خلاصة المشهد: رمزية تفوق الفعل
يخلص عمر مراد إلى أن الحضور التركي في خطة ترامب لوقف إطلاق النار في غزة كان أقرب إلى عرضٍ دبلوماسي محسوب منه إلى مشاركة فاعلة في صياغة مستقبل القطاع. فبينما سعى ترامب إلى الظهور بمظهر صانع السلام العالمي، وجد أردوغان في الصورة المشتركة فرصة لتأكيد مكانة تركيا كفاعل إقليمي، ولو على مستوى الرمزية الإعلامية.

