في خطوة مثيرة للتوترات الإقليمية، سلّمت تركيا إلى كوسوفو طائرات انتحارية بدون طيار (كاميكاز) من طراز Skydagger، ما أثار انتقادات حادة من الرئيس الصربي ألكسندر فوشيتش، الذي اتهم أنقرة بالسعي إلى زعزعة الاستقرار في البلقان.
أوضح رئيس وزراء كوسوفو ألبين كرتي أن الشحنة التي صُنّعت من شركة بايكار التركية وصلت قبل الموعد المتفق عليه، مضيفًا أنه استقبل الحاويات شخصيًا في بريشتينا، وأنّ عشرات من أفراد قوات الأمن الكوسوفية تلقوا بالفعل تدريبات لتشغيل الأنظمة. وأشار إلى أن العقد كان موقّعًا في ديسمبر، وكان من المقرر أن تصل الطائرات في يناير المقبل، لكنها وصلت قبل ذلك بثلاثة أشهر. وصف كرتي الطائرات بأنها قادرة على الضرب بدقة، مستهدفة الأهداف الثابتة والمتحركة، إلا أنه لم يحدد عددها بدقة، رغم أن بعض المسؤولين أشاروا إلى “الآلاف” التي وصلت.
رد فعل بلغراد وتصعيد لهجوي
اعتبر الرئيس الصربي فوشيتش أن هذه الخطوة تشكّل انتهاكًا لميثاق الأمم المتحدة وقرار مجلس الأمن رقم 1244، الذي ينظم الوضع القانوني لكوسوفو منذ نهاية تدخل الناتو في التسعينيات. وأضاف أن تركيا تكشف “نواياها الحقيقية” في المنطقة، متهمًا إياها بمحاولة استعادة النفوذ العثماني في البلقان.
من جانبها، دافعت رئيسة كوسوفو فيوسا عثماني عن الصفقة، معتبرة أن فوشيتش ينتهج “نفاقًا مزدوجًا”، فبينما يهاجم دولة عضوا في حلف شمال الأطلسي التي تساند كوسوفو، يوطد علاقاته الدفاعية مع دول مثل روسيا والصين وإيران.
التوتر بين بريشتينا وبلغراد شهد تصاعدًا ملحوظًا في الأسابيع الأخيرة، حيث حذّر فوشيتش من أن “الجميع يستعد للحرب”، متهمًا كوسوفو بمحاولة بناء دعم غربي قبل اندلاع الصراع. ردّت عثماني بوصفه تهديدًا للاستقرار الإقليمي.
السياق الانتخابي والجغرافي
تأتي هذه التوترات قبيل الانتخابات المحلية المقرّرة في شمال كوسوفو، حيث يعيش غالبية من الأثنيّة الصربية، ويتوقع أن تهيمن على الانتخابات قائمة محسوبة على بلغراد بعد مقاطعة التصويت السابق. ويُضاف إلى ذلك أن فوشيتش أعلن عن دعم مالي متزايد للأقلية الصربية في تلك المنطقة، وهو ما تعتبره حكومة بريشتينا تدخلاً سافرًا في شؤونها الداخلية.
منذ إعلان الاستقلال عام 2008، تعتقد صربيا أن كوسوفو جزء من أراضيها، وهو موقف ترفضه بكين وعدد من الدول، بينما يعترف بها العديد من الدول الغربية. وبموجب قرار مجلس الأمن 1244 الذي تبنّته الأمم المتحدة، وضِعت كوسوفو تحت إشراف مؤقت للأمم المتحدة وقوة حفظ سلام تابعة لحلف الناتو KFOR. ورغم حكم الحكم الذاتي في كوسوفو اليوم، فإن قوة KFOR لا تزال الجهة العسكرية المعترف بها دوليًا في الإقليم.
وسط هذا المشهد، دفع الوسطاء الغربيون كلي الطرفين إلى تفادي تصعيد عسكري والعودة إلى مفاوضات تُنسّقها مؤسسات الاتحاد الأوروبي، بينما تستمر قوة KFOR بنشر نحو خمسة آلاف جندي لضمان الأمن والحفاظ على الاستقرار في كوسوفو.
دلالات عسكرية واستراتيجية
تُعد صفقة تسليم طائرات Skydagger إلى كوسوفو تجسيدًا لتنامي التعاون العسكري بين أنقرة وبريشتينا، ما يمنح كوسوفو قدرات هجومية إضافية نسبياً في بيئة أمنية مضطربة. كما أنها تؤشر إلى رغبة تركيا في تعزيز نفوذها في البلقان، ليس فقط من البعد السياسي، بل أيضًا من البعد العسكري.
من جهة صربيا، يعتبر هذا التصعيد تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي ورمزًا لتدخل خارجي في جوارها، مما يدفعها إلى اتخاذ مواقف تحدّدية وربما اتخاذ خطوات ردعية.
بالنسبة للغرب والوسطاء الأوروبيين، فإن هذه الأزمة تمثّل اختبارًا جديدًا لكيفية موازنة المصالح بين تأييد سيادة الدول الصغيرة وتفادي اندلاع صراع إقليمي في البلقان.

