نفت وزارة المالية ووزارة التجارة في تركيا صحة التقارير التي تحدثت عن نية الحكومة إلغاء حد الإعفاء الجمركي البالغ ثلاثين يورو (اثنين وثلاثين دولاراً) للمشتريات الإلكترونية عبر الحدود.
هذا السقف يتيح حالياً للمستهلكين استيراد طلبيات منخفضة القيمة مقابل رسوم مبسطة، فيما كان إلغاؤه سيعني خضوع حتى أرخص السلع للرسوم الجمركية الكاملة والضرائب الداخلية.
خلفية الجدل: تقارير صحفية وضغط من منصات صينية
جاء النفي الرسمي بعد أن نشرت صحيفة “اقتصاديم” اليومية تقريراً استند إلى مصادر لم تسمّها، زعمت فيه أن أنقرة تستعد لإلغاء السقف الجمركي تحت ضغط التوسع السريع للمنصات الصينية مثل “تيمو” و”شي إن”. التقرير أوضح أن الخطة كانت ستخضع جميع المشتريات الإلكترونية لنظام الرسوم المعتاد، ما يعني فرض ضرائب ورسوم جمركية كاملة وفق نوع المنتج.
المصادر الصحفية أشارت أيضاً إلى أن الموضوع مطروح داخل “اتحاد الغرف والبورصات التركية“، في ظل تقديرات بأن مبيعات المنصات الصينية إلى تركيا تتجاوز ثلاثمئة مليون دولار شهرياً.
الموقف الرسمي: لا خطوات مطروحة حالياً
مسؤولو وزارة التجارة نفوا الأمر قائلين: “القطاع يعمل منذ فترة طويلة في هذا الاتجاه، لكن الوزارة لا تملك أي خطط لإلغاء أو تخفيض الحدود. لم يُتخذ أي إجراء بهذا الصدد”.
هذا التصريح جاء ليضع حداً للشائعات التي أثارت قلق المستهلكين والوسط التجاري، خاصة بعد تغييرات متكررة أجرتها الحكومة في حدود الإعفاء الجمركي خلال العامين الماضيين.
السياق الأوروبي والدولي
الجدل التركي يأتي متزامناً مع توجهات الاتحاد الأوروبي نحو إصلاح نظامه الجمركي. بروكسل تستعد لإلغاء سقف الإعفاء البالغ مئة وخمسين يورو بحلول عام ٢٠٢٨، مع بحث مقترحات إضافية مثل فرض رسوم معالجة بقيمة يوروين على الطرود المباشرة وخمسين سنتاً على الشحنات القادمة عبر مخازن أوروبية. ورغم أن هذه المقترحات لا تزال بحاجة إلى مصادقة، إلا أنها تشكل إشارة إلى اتجاه عالمي نحو تشديد الرقابة على التجارة الإلكترونية منخفضة القيمة.
في السياق نفسه، فرضت إندونيسيا قيوداً على منصة “تيمو” لحماية التجار المحليين، فيما دفعت فرنسا نحو تسريع إصلاحات الاتحاد الأوروبي. هذه التحركات تعكس مخاوف متزايدة من هيمنة المنصات الصينية على التجارة الرقمية العالمية.
التوسع السريع للمنصات الصينية في تركيا
بيانات شركة “جيميوس” البحثية أظهرت أن عدد زوار منصة “تيمو” ارتفع من سبعة ملايين في يوليو ٢٠٢٤ إلى تسعة وعشرين مليوناً في يوليو ٢٠٢٥، متجاوزاً “أمازون تركيا” واقترب من نصف حركة “هيبسي بورادا” المحلية.
كما كشفت أرقام مركز البطاقات المصرفية (BKM) أن حجم المشتريات الإلكترونية العابرة للحدود بلغ في النصف الأول من ٢٠٢٥ نحو مئة وخمسة وخمسين مليار ليرة تركية (أربعة فاصل سبعة مليارات دولار)، بزيادة خمسة وستين في المئة على أساس سنوي. في المقابل، لم ترتفع مبيعات التجارة الإلكترونية التركية إلى الخارج (ما يسمى بالتصدير الإلكتروني) سوى بنسبة سبعة فاصل أربعة في المئة لتصل إلى ثلاثة وثمانين مليار ليرة (اثنين فاصل خمسة مليار دولار). هذا الفارق يوضح اختلال الميزان التجاري الرقمي لمصلحة الواردات.
الانتقادات المحلية: الاستهلاك المفرط والضغط على الأسواق
إلى جانب الأرقام، أثارت “تيمو” جدلاً واسعاً داخل تركيا بسبب تشجيعها على أنماط شراء مفرط خصوصاً بين الشباب، فضلاً عن الضغوط التي تمارسها على قطاعات حيوية مثل الإلكترونيات والملابس والسلع المنزلية. هذه الانتقادات تضاف إلى المخاوف من فقدان الشركات المحلية قدرتها التنافسية في ظل تدفق بضائع رخيصة بكميات هائلة.
النظام الحالي وتعديلات العام الماضي
تطبق تركيا حالياً نظاماً مبسطاً على الطرود منخفضة القيمة، حيث تُفرض رسوم ثابتة بنسبة ثلاثين في المئة على السلع القادمة من الاتحاد الأوروبي، وستين في المئة على تلك الواردة من خارجه، مع ضرائب استهلاك خاصة حسب نوع السلعة.
وقد شهد السقف الجمركي تعديلات عدة؛ ففي أغسطس ٢٠٢٤ جرى تخفيضه من مئة وخمسين يورو إلى ثلاثين يورو. وفي ديسمبر من العام نفسه تم تعديله ليصبح سبعة وعشرين يورو عند احتساب تكلفة الشحن، مع السماح بفرض رسوم إضافية تصل إلى ثلاثة يورو عند استبعاد نفقات الشحن من السعر الإجمالي. أما في حال تجاوزت الطلبيات السقف، فتُطبق الرسوم الجمركية الكاملة التي قد تتراوح بين ثلاثين وأكثر من مئتي في المئة، إضافة إلى ضريبة القيمة المضافة البالغة عشرين في المئة.
آفاق مستقبلية
رغم النفي الرسمي، يؤكد محللون أن الجدل لن يتوقف قريباً، خاصة مع استمرار توسع المنصات الصينية وتوجه الاتحاد الأوروبي نحو إصلاحات مشابهة. وعليه، قد تجد أنقرة نفسها مضطرة في السنوات المقبلة إلى إعادة النظر في سياساتها، بما يوازن بين حماية المستهلك والمنتج المحلي من جهة، وتجنّب صدام مع موجة التجارة الرقمية العابرة للحدود من جهة أخرى.

