سلسلة من الفضائح السياسية والإدارية تهز تركيا، مع اتساع نطاق أزمة الشهادات والتوقيعات المزورة يوماً بعد يوم. فهناك، بحسب ما يُتداول، آلاف الأكاديميين والبيروقراطيين يحملون شهادات مزورة، في حين تسعى الحكومة إلى حصر القضية في نطاق ضيق وإغلاقها سريعاً، بينما تحاول المعارضة كشف كل تفاصيلها للرأي العام. الاتهامات تصعد نحو قمة هرم السلطة، وسط حديث عن امتلاك المعارضة أدلة قاطعة على أن شهادة الرئيس رجب طيب أردوغان الجامعية مزورة. والسؤال الذي يطرحه الكاتب الصحفي التركي نديم حذار: ماذا لو نُشرت هذه الأدلة بشكل رسمي؟
في قراءة سياسية، قدّم الكاتب الصحفي التركي المتخصص في قضايا المجتمع والسينما نديم حذار تحليلاً موسعاً حول الجدل المحتدم في تركيا بشأن مصداقية الشهادة الجامعية للرئيس رجب طيب أردوغان، وذلك عبر قناته على موقع يوتيوب.
استعرض حذار في تحليله سيناريوهين محتملين لتطور الأحداث، بالاستناد إلى تجارب سياسية سابقة، أبرزها أزمة الفساد والرشوة في 17-25 ديسمبر 2013، والتي يصفها بأنها “درس ماستر كلاس في إدارة الأزمات السياسية”.
درس من التاريخ – أزمة 2013
بحسب حذار، استطاع أردوغان حينها تفادي السقوط السياسي عبر استراتيجية متعددة المراحل:
- السيطرة على السردية الإعلامية وتحويل موقعه من “متهم” إلى “ضحية”.
- تطهير الجهاز القضائي بنقل أو إبعاد مئات القضاة والمدعين بشتى الذرائع.
- تكميم الإعلام المستقل.
- الهجوم على المعارضة وربطها بـ”كيانات وقوى خارجية” و”إرهاب سياسي”.
- التعبئة الشعبية بتنظيم تجمعات حاشدة ضخمة.
ويؤكد حذار أن هذه القدرة على قلب الموازين قد تعاد صياغتها في أي أزمة سياسية كبرى، بما في ذلك فضيحة القرن، ملف “الدبلوم”، الذي لا يزال القضية الأولى في أجندة تركيا.
السيناريو الأول – دولة القانون
يرى حذار أنه في حال وقوع هذه الأزمة في دولة ديمقراطية مكتملة الأركان، ستسير الأحداث وفق المسار الآتي:
- 48 ساعة أولى: تصدّر القضية للواجهة الإعلامية، واجتماع المحكمة الدستورية، وفتح تحقيق من لجنة الانتخابات.
- بعد أسبوع: البرلمان يتحرك وفق الدستور لحسم المسألة.
- بعد أسبوعين: إسقاط صفة الرئيس من أردوغان وإبطال القرارات الصادرة عنه.
- بعد شهرين: انتخابات مبكرة تعزز الديمقراطية.
ويشير إلى أن هذا السيناريو يعزز ثقة المواطنين بالمؤسسات ويعيد الاستقرار السياسي والاقتصادي.
السيناريو الثاني – النظام السلطوي
أما في ظل النظام السياسي التركي الحالي، فيتوقع حذار مساراً مغايراً:
- الساعات الأولى: نشر خطاب رئاسي يصف الأزمة بـ”المؤامرة”، والسيطرة على السردية الإعلامية عبر القنوات الموالية.
- الأسبوع الأول: ربط القضية بالمعارضة واتهامها بالتآمر مع “بقايا التنظيمات الإرهابية”.
- الأسبوع الثاني: إدراج القضية في خطب الجمعة لتعزيز التعبئة الشعبية.
- الأسبوع الثالث والرابع: إعلان “براءة” الرئيس رسمياً وإغلاق الملف، مع تحويله إلى أداة لتعزيز السلطة.
ويضيف أن هذا السيناريو سيؤدي إلى مزيد من الاستقطاب، وتراجع الحريات، وانكماش الثقة الاقتصادية، مع تدهور الصورة الدولية لتركيا.
مقارنة بين السيناريوهين
بحسب حذار، الفارق الجوهري بين المسارين يكمن في طبيعة المؤسسات، فدولة القانون يسود فيها قضاء مستقل، وإعلام حر، ومعارضة قوية، ومجتمع مدني نشط، أما في ظل النظام السلطوي فيسود قضاء تابع، وإعلام موجَّه، ومعارضة مقموعة، وفضاء عام مغلق.
وفي حين يؤدي المسار الأول إلى إصلاح سياسي، يقود الثاني إلى مزيد من إحكام القبضة السلطوية.
يخلص نديم حذار إلى أن المعطيات الحالية في تركيا تجعل السيناريو السلطوي هو الأكثر احتمالاً، إذ سيتحول ملف “الدبلوم” من فرصة للإصلاح السياسي إلى أداة لإحكام السيطرة وقمع المعارضة، على غرار ما حدث في أزمات سابقة. ويرى أن كسر هذا المسار يتطلب تحالفات مجتمعية وسياسية أوسع، وتأمين قنوات بديلة لنشر الحقائق داخلياً وخارجياً.

