شهدت العاصمة الأمريكية واشنطن حدثًا سياسيًا مفصليًا، حيث استضاف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب توقيع اتفاق سلام تاريخي بين أذربيجان وأرمينيا، أنهى رسميًا عقودًا من النزاع في إقليم ناغورني قره باغ.
الاتفاق لم يكن مجرد إنهاء للأعمال القتالية، بل حمل أبعادًا استراتيجية واقتصادية قد تعيد رسم خرائط النفوذ في القوقاز، على حساب الدور الروسي التقليدي في المنطقة.
خلفية تاريخية: نزاع متجذر منذ عقود
بدأ الصراع بين أذربيجان وأرمينيا حول إقليم ناغورني قره باغ عام 1988، مع تفكك الاتحاد السوفييتي، وتصاعدت المواجهات في التسعينيات مخلفة جروحًا عميقة لدى الشعبين. ورغم وقف إطلاق النار عام 2020 بوساطة روسية، بقي النزاع في حالة “تجميد” هش.
في عام 2023، أحكمت باكو سيطرتها الكاملة على الإقليم، ما أدى إلى نزوح عشرات الآلاف من الأرمن، وسط انحسار الدور الروسي الذي كان يعتمد على قوات حفظ السلام في المنطقة. انشغال موسكو بحرب أوكرانيا أتاح لواشنطن الدخول بقوة إلى المشهد.
الاتفاق: بنود ومكاسب سياسية
في حفل التوقيع بالبيت الأبيض، أعلن ترامب أن البلدين توصلا إلى اتفاق لإنهاء الحرب “إلى الأبد”، وكشف عن رفع العقوبات الدفاعية المفروضة على أذربيجان، معتبرًا ذلك خطوة تعزز السلام الإقليمي والعالمي.
الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف وصف الاتفاق بـ”الفرصة التاريخية” التي تفتح آفاقًا جديدة للتعاون الإقليمي، وأكد أن رفع بعض القيود المستمرة منذ 33 عامًا يمثل مكسبًا دبلوماسيًا مهمًا.
أما رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان، فرأى أن الاتفاق يؤسس لمرحلة جديدة من الثقة بين الشعبين.
البعد الاستراتيجي: “ممر ترامب” نحو تركيا
أحد أبرز عناصر الاتفاق هو إنشاء ممر بري يربط أذربيجان بإقليم ناختشيفان وصولًا إلى تركيا، تحت مسمى “Trump Route for International Peace and Prosperity”، حيث مُنحت الولايات المتحدة حقوق تشغيله وتطويره.
هذا الممر لا يمثل مجرد مشروع نقل، بل يفتح شرايين جديدة للتجارة والطاقة واللوجستيات، ويعزز ارتباط أنقرة ببقية العالم التركي، في الوقت الذي يمنح واشنطن نفوذًا اقتصاديًا وأمنيًا مباشرًا في قلب القوقاز.
تراجع النفوذ الروسي وتغير قواعد اللعبة
يمثل هذا الاتفاق ضربة قوية لموسكو، التي كانت تعتبر ملف قره باغ أداة نفوذ رئيسية في فضائها السوفييتي السابق. خروج أذربيجان وأرمينيا من إطار “مجموعة مينسك” التابعة لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، أنهى عمليًا منصة التفاوض التقليدية التي شاركت فيها روسيا لعقود.
كما أن توقيع اتفاقات أمريكية منفصلة مع كل من باكو ويريفان في مجالات الطاقة والتكنولوجيا والدفاع، يكرس انتقال دور “الوسيط الرئيسي” من موسكو إلى واشنطن.
مواقف متباينة وتساؤلات حول الاستدامة
رغم الأجواء الاحتفالية في واشنطن، تثار تساؤلات حول مدى استدامة هذا السلام. الأرمن في الشتات يرون أن الاتفاق تجاهل قضايا أساسية مثل حماية التراث الثقافي، والإفراج عن المعتقلين السياسيين، وحق العودة للنازحين.
في المقابل، تعتبر أذربيجان الاتفاق “انتصارًا نهائيًا”، ما يعكس فجوة في التوقعات قد تعيد إشعال التوترات مستقبلاً.
التداعيات الإقليمية والدولية
يمثل الممر الجديد لأنقرة فرصة استراتيجية لتعزيز التواصل مع العالم التركي، لكنه يضعها في مواجهة تحدي السيطرة الأمريكية على أهم خطوط التجارة والطاقة في المنطقة، في حين تعزز واشنطن مكانتها كقوة فاعلة في منطقة كانت تقليديًا تحت النفوذ الروسي، مما يوسع مجال نفوذها في أوراسيا. بينما يخسر الكرملين ورقة ضغط جيوسياسية أساسية، في وقت يتعرض فيه لضغوط داخلية وخارجية بسبب الحرب في أوكرانيا.

