من تزوير الشهادات الجامعية إلى التلاعب بالتوقيعات الرقمية، تتكشف في تركيا فضيحة فساد ممنهجة تهزّ مؤسسات الدولة وتشمل نواباً وأكاديميين وإعلاميين، مع اقتراب إثبات التزوير في شهادة الرئيس أردوغان، بحسب المعارضة.
توسع نطاق الفضيحة: 270 مؤسسة رسمية في دائرة الاتهام
تشهد تركيا واحدة من أخطر الفضائح التعليمية والإدارية في تاريخها، إذ كشفت التحقيقات القضائية عن شبكة منظمة قامت بتزوير شهادات جامعية، واستصدرت تواقيع إلكترونية باسم270 مسؤولاً حكومياً ومؤسسة رسمية، مما يعكس خللاً عميقاً في منظومة الرقابة والأمن الرقمي.
الفضيحة التي بدأت تفاصيلها تتكشف منذ مايو الماضي، اتسعت لتشمل عدة قطاعات، على رأسها التعليم العالي والإعلام والبرلمان، إضافة إلى أسماء أمنية وإدارية رفيعة المستوى. وقد بلغ عدد المتهمين في القضية حتى الآن199 شخصاً، بعد انضمام 65 اسماً جديداً إلى لائحة الاتهام في يوليو، في قضية تتزعمها شبكة يديرها شخص يُدعى ضياء قدير أوغلو، الحاصل على دكتوراه من جامعة دوزجه.
شهادات جامعية مزورة تطال نواباً وإعلاميين
برز اسم ليفنت أويصال، نائب حزب الحركة القومية (MHP) عن ولاية مرسين، ضمن قائمة الشخصيات السياسية المتورطة في القضية، حيث تبين أن شهادته الجامعية مزورة. الصحفي فاتح أرغين، الذي سبق وكشف عن تقديم أويصال لوثيقة ضمان بنكية مزورة للحصول على قرض بقيمة 45 مليون يورو من سويسرا، تساءل علناً: “هل سيتم إلغاء شهادة النائب المزورة؟“
وتعود جذور الشبهة إلى جامعة خاصة تملكها زوجته إجه أويصال في شمال قبرص، حيث جرى إصدار أكثر من600 شهادة جامعية مزورة بحسب التحقيقات.
شهادة إعلامي موال للحكومة في مرمى الاتهام
كما كشف النائب عن حزب الشعب الجمهوري (CHP) علي ماهر باشارير أن الإعلامي المعروف بقربه من السلطة، أركان تان، صاحب العبارات الحماسية في قناة A Haber، يحمل شهادة جامعية مزورة أيضاً، ما يضيف بعداً إعلامياً للفضيحة، ويفتح التساؤلات حول مدى تغلغل الشبكة في المؤسسات الإعلامية الموالية.
فضيحة أكاديمية: 400 “أستاذ دكتور” بشهادات وهمية
الجانب الأكاديمي في القضية لا يقل خطورة، إذ تشير الوثائق إلى وجود400 أكاديمي، من بينهم أساتذة جامعيون، يحملون شهادات مزورة. ورغم خطورة هذه الأسماء، لم تُعلن هوياتهم حتى الآن.
في المقابل، أعلن رئيس مجلس التعليم العالي أرول أوزفار، الذي عينه أردوغان مجدداً مؤخراً، أن المجلس فتح تحقيقين متوازيين، أحدهما داخلي والآخر في الجامعات المعنية، وأكد أن المجلس أرسل مذكرات رسمية للجامعات تطالب بفتح ملفات التحقيق، داعياً إلى تعديلات قانونية مشددة لردع مثل هذه الجرائم.
تزوير التواقيع الرقمية: اختراق خطير للأمن السيبراني
أخطر ما في الملف أن الشبكة لم تكتف بتزوير الشهادات، بل قامت بتزوير تواقيع إلكترونية رسمية (e-İmza) باسم مسؤولين رفيعي المستوى، بينهم رئيس هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات (BTK) عمر عبد الله كاراكيز أوغلو، نائب رئيسه بيت الله قوشجو، ومديرة في هيئة التعليم العالي سيبل إيركي، ورئيس قسم في إدارة مكافحة المخدرات سامت دده، ومسؤول في مديرية الهجرة في إسطنبول غوكهان قره طوب، وغيرهم.
هذا التزوير الرقمي يعتبر خرقاً أمنياً بالغ الخطورة، ويضع مؤسسات الدولة السيادية أمام تساؤلات حول قدرتها على حماية بياناتها الرسمية وهويات موظفيها.
أردوغان في قلب الجدل مجدداً
في خضم هذه الفضيحة، أعاد النائب عن حزب الشعب الجمهوري ونائب رئيسه، دينيز يافوز يلماز، إحياء الجدل المستمر منذ سنوات حول صحة شهادة الرئيس رجب طيب أردوغان الجامعية. وكتب عبر منصاته: “في بلد تُزيف فيه آلاف الشهادات، هل يتوقع أحد أن تكون شهادة الرئيس حقيقية؟ اقتربنا كثيراً من إثبات أنها مزورة…”
اتهامات المعارضة قائمة على غموض مستمر منذ عقود بشأن شهادة أردوغان من جامعة مرمرة، والتي لم يُعرض منها حتى اليوم نسخة أصلية ولا حتى سجل درجات (transkript)، رغم المطالبات المتكررة.
وكان الرئيس الأسبق لمجلس التعليم العالي يوسف ضياء أوزجان، قد صرح في وقت سابق بأنه أجرى بنفسه بحثاً رسمياً خلال رئاسته للمجلس، ولم يجد أي وثيقة أو دليل يثبت وجود هذه الشهادة.

