في مقال يمكن ترجمة عنوانه بـ“كأس السلطة” أو “نشوة القوة” يرسم الكاتب والمفكر الإسلامي المعروف علي بولاج لوحة عميقة التأمل، تمزج بين الاعتراف الشخصي والنقد السياسي القيمي، انطلاقاً من تجربة عاشها بعد خروجه من السجن، حين دعاه صديق قديم للقاء على شاطئ “بيكوز” بإسطنبول لتناول وجبة بسيطة من السمك، برفقة رفيق نضال آخر خاضوا معًا معارك الصحافة والفكر في الزمن القديم.
لكن اللقاء، الذي بدا في ظاهره ودياً ومليئاً بالحنين، سرعان ما تحوّل إلى صدمة فكرية ووجدانية، حين أُثير النقاش حول الواقع السياسي الراهن في تركيا، وأوضاع المعتقلين المظلومين (لانتمائهم إلى حركة الخدمة) الذين التقاهم بولاج في السجن، وأحلام العدالة التي حملها يوماً التيار الإسلامي في تركيا.
يذكر أن بولاج ارتبط اسمه بنهوض الحركة الفكرية الإسلامية الحديثة في تركيا، وقد أثرى المكتبة الإسلامية والعلمية في البلاد بأكثر من 50 كتابا في مختلف المجالات الفكرية، أبرزها تفسير القرآن الكريم في 7 مجلدات، وكان من بين الضحايا المفكرين لحملة القمع التي بدأت بعد تحقيقات الفساد والرشوة في عام 2013، ثم وصل إلى أوجها عقب محاولة الانقلاب المثيرة للجدل في 2016، حيث تعرض للسجن عامين وأطلق سراحه في 2018، رغم غياب علاقة عضوية مع حركة الخدمة، بل هو كان محسوبا على تيار “الإسلام السياسي”.
علي بولاج يصطدم بـ”إسلامي جديد” يرى السلطة غاية لا وسيلة
في سياق الحوار، أبدى بولاج أسفه العميق لما وصل إليه الحال، منتقدًا تخلي الإسلاميين – أو من يُحسبون على هذا التيار – عن المبادئ الأصلية التي نادوا بها، من الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية، مقابل التماهي مع أدوات السلطة. لكنه فوجئ برد صديقه، الصحفي المقرب من الحكومة، والذي قال له: “ما تقوله صحيح، لكن الحياة لها حقائقها. منذ عهد معاوية وهذا هو الحال. من يملك القوة لا يفرّط بها. هذه الجماعات – رغم كل شيء – تتغلغل في المجتمع إلى حد يجبرك على التعامل معها هكذا“، في محاولة لشرعنة ما يتعرض له مئات الآلاف من المواطنين لا لجريمة مادية ارتكبوها وإنما لمجرد انتمائهم إلى جماعة فلانية أو علانية.
ردّ بولاج جاء حاداً ومباشراً: “هذه جملة لا يمكن لإسلامي (إسلامجي) أن يقولها.”
في لحظة غضب ويأس، طلب النزول من السيارة وودّع رفيقه القديم، وقد أدرك بمرارة أن صديق الأمس لم يعد كما كان، وأن “ نشوة القوة” أو “كأس السلطة” قد غيّرت ملامحه الفكرية والأخلاقية.
من النضال القيمي إلى الإدمان السلطوي… تشخيص الانزياح الأخلاقي
يؤكد بولاج أن ما شاهده ولمسه من تغيرات في المواقف والطبائع ليس مجرد تحول فردي، بل يُعبّر عن أزمة أعمق في مشروع التيار الإسلامي التركي. ويُحيل هذا التحول إلى علاقة الإنسان بالسلطة – أو “القدرة” – باعتبارها اختباراً أخلاقياً إيمانياً، يتجلى فيه الفرق بين “النار والنور”، وبين من اختار طريق التزكية ومن انجرف خلف غواية النفوذ.
ويُشدّد على أن لا قوة ذاتية يمتلكها الإنسان، بل إن كل سلطة هي “أمانة” من الله، تُقاس طريقة استعمالها بمقدار الالتزام بالأخلاق والعدالة والنية السليمة. ويضيف: “كلٌّ منا هو حصيلة اختياراته. وهذه الاختيارات ترسم مسارنا الأخلاقي والقدري.”
“نشوة القوة“: قصيدة رمزية لنهاية إسلامي قديم في حانة النفوذ
خلاصة تأملات الأستاذ بولاج هذه جاءت شعريًا في قصيدة بعنوان “نشوة القوة “، حيث يستحضر علي بولاج صورة صديقه القديم وقد تغيّر بالكامل تحت سُكر النفوذ، يقول:
“صادفتُه مساء الأمس… كان ثملاً بكأس القدرة…
لسانه متهدّج، ووعيه مشوش…
يقول: المقهى لنا، والمجد لنا…
نعد الطائرات في السماء، والسجناء في الزنازين، والجنازات في الطرقات…
كان يومًا – قبل أربعين سنة – ثائرًا، يقارع الظلم بقلمه…
واليوم، مجرد سكران في حانة الإسلاميين الجُدد.”
نهاية اللقاء… وتغيّر العوالم
لم يعُد اللقاء بين بولاج وصديقه يتكرر. لم تنقطع التحية، لكن انقطعت الألفة. لكل منهما الآن مجرة مختلفة، لا تلتقي فيها القيم ولا الرؤى ولا الأحلام. يختتم بولاج مقاله برسالة موجعة صافية: “بعد 75 سنة، ما الذي فهمته؟ أن الأصدقاء يتغيّرون. لكن ما لا يجب أن يتغير أبدًا هو روح الدين، والأخلاق، والالتزام بالعدالة.”

