في ظل تجدد الحديث عن إمكانية إحياء عملية السلام بين تركيا وحزب العمال الكردستاني، أجرى وفد من حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب، أبرز الأحزاب ذات التوجه الكردي في تركيا، سلسلة من اللقاءات السياسية البارزة في العاصمة أنقرة.
تأتي هذه التحركات عقب تطورات لافتة تمثلت في إعلان حزب العمال الكردستاني تخليه عن السلاح في مراسم رمزية أقيمت شمال العراق، ما أثار آمالاً بإطلاق مسار سياسي جديد لحل القضية الكردية.
لقاء غير مسبوق بين الحزب الكردي وزعيم “الحركة القومية“
أبرز هذه اللقاءات تمثل في اجتماع استمر 45 دقيقة جمع بين النائبين البارزين عن حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب، برفين بولدان ومثنى صانجار، والمحامي فائق أوزغور إرول، مع دولت بهجلي، زعيم حزب الحركة القومية المعروف بمواقفه القومية المتشددة والمعارضة التقليدية لأي انفتاح على الأكراد.
ووصفت بولدان الاجتماع بـ”الإيجابي والمثمر”، مشيرة إلى أن الوفد أطلع بهجلي على آخر التطورات المتعلقة بمسار السلام، وأعرب الأخير بدوره عن “مواقف إيجابية”، بحسب وصفها. وأضافت: “سنواصل اللقاءات خطوة بخطوة، ليس فقط مع بهجلي، بل مع جميع قادة المعارضة ومكونات التحالف الحاكم”، مؤكدة أن الحزب سيُبقي جميع الأطراف السياسية على اطلاع بكل مرحلة، وأن هدفهم تحويل هذه المحادثات إلى عملية سلام حقيقية في أسرع وقت ممكن.
اجتماع مع وزير العدل ودور مرتقب للوزارة
الوفد ذاته التقى أيضًا وزير العدل يلماز تونج، في اجتماع امتد لساعة كاملة، ناقش فيه الطرفان الأبعاد السياسية والقانونية للعملية الجارية. ووصفت بولدان اللقاء بأنه “مهم وإيجابي”، مؤكدة أن الوزارة ستؤدي دورًا حاسمًا في المرحلة المقبلة، خصوصًا مع اقتراب تشكيل لجنة برلمانية مختصة بالإشراف على مفاوضات السلام وصياغة الإصلاحات القانونية اللازمة.
بدوره، شدد صانجار على أن وزارة العدل تقع في قلب أي مسار يُراد له أن يقوم على أسس سليمة من سيادة القانون والديمقراطية، وأن العملية لا يمكن أن تنجح إلا عبر مؤسسات شرعية ودعم قانوني راسخ.
لقاء مع داود أوغلو: إجماع وطني وموقف داعم
في سياق توسيع دائرة التشاور السياسي، التقى الوفد الكردي أيضًا برئيس حزب المستقبل أحمد داود أوغلو، في اجتماع مغلق بمقر الحزب. وأكد داود أوغلو بعد اللقاء على ضرورة تحقيق إجماع وطني من أجل “تركيا خالية من الإرهاب”، معلنًا دعمه لجهود السلام الحالية. كما ذكّر نواب الحزب الكردي بدور داود أوغلو السابق في إدارة مسارات السلام خلال فترة توليه رئاسة الحكومة، وشددوا على أهمية أن يكون البرلمان شريكًا أساسيًا في العملية.
لقاء مرتقب مع المعارضة الرئيسية
من المنتظر أن يجتمع وفد الحزب الكردي اليوم الخميس مع زعيم حزب الشعب الجمهوري المعارض، أوزجور أوزيل، في إطار سعي الحزب لتوسيع المشاركة السياسية وتشكيل إجماع شامل حول مسار السلام.
تطورات مفصلية مهدت للمرحلة الحالية
تعود شرارة هذه المرحلة من جهود السلام إلى أكتوبر 2024، حين دعا دولت بهجلي، أبرز حلفاء الرئيس رجب طيب أردوغان، الزعيم الكردي المسجون عبد الله أوجلان إلى إصدار دعوة لحزبه العمال الكردستاني بالتخلي عن السلاح.
استجاب أوجلان للدعوة في فبراير 2025 برسالة علنية دعا فيها إلى إنهاء التمرد المسلح المستمر منذ عقود. وتوّجت هذه المبادرة بحفل رمزي شمال العراق شهد قيام مجموعة من مقاتلي الحزب بإحراق أسلحتهم في مشهد وصفه المراقبون بأنه “خطوة أولى”، ربطوا فاعليتها بتشريعات قانونية وخطط لإعادة الدمج الاجتماعي والسياسي.
مخاوف وسياق سياسي غير مطمئن
ورغم الإشارات الإيجابية، لا تزال الشكوك واسعة النطاق، خاصة مع غياب أية خطوات تنفيذية ملموسة من قبل الحكومة. ففي خطابه الأخير بتاريخ15 تموز 2025، تحدث الرئيس أردوغان بإيجابية عن مرحلة “تركيا الخالية من الإرهاب”، لكنه لم يتطرق إطلاقًا إلى قضايا حاسمة مثل إصدار عفو عام، أو تنفيذ إصلاحات سياسية، أو الإفراج عن السجناء السياسيين، ما زاد من حالة الغموض والقلق لدى الأوساط الحقوقية والسياسية.
قيادات حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب، من جهتها، شددت على أن أي نجاح للعملية يتطلب إشرافًا مؤسسيًا، وتعديلات تشريعية واضحة، وإعادة الاعتبار للحقوق المدنية والسياسية، وإلا فإن ما يجري قد لا يتجاوز كونه مجرد مناورات سياسية مؤقتة.

