رغم امتلاك تركيا طموحاً كبيراً للتحول إلى مركز إقليمي للطاقة النظيفة، تعاني صناعة الألواح الشمسية في البلاد من ضعف حاد في معدلات الاستخدام والتصدير، نتيجة ارتفاع التكاليف مقارنة بالمنافسين، وعلى رأسهم الصين.
تحليل للكاتب سركان أكسويك عبر منصة ekonomim.com التركية، كشف عن فجوة متنامية بين الإمكانات الصناعية والموارد الشمسية الكبيرة التي تتمتع بها تركيا، وبين الأداء المحدود في الأسواق الخارجية، لا سيما الأوروبية.
فارق السعر يمنع التنافس مع السوق الأوروبي
تشير البيانات إلى أن تكلفة تركيب نظام طاقة شمسية بقدرة 1 ميغاواط في أوروبا تتراوح بين 90 و100 ألف دولار، في حين ترتفع التكلفة إلى نحو 160 ألف دولار إذا استخدمت مكونات مصنعة في تركيا. هذا الفرق الكبير في التكلفة يفقد المنتجات التركية قدرتها التنافسية.
وتُعزى هذه الفجوة إلى خلل في شروط التبادل التجاري؛ فقد فرضت أنقرة منذ عام 2017 رسوماً جمركية حمائية على الألواح الشمسية المستوردة، تم تعديلها عام 2024 إلى رسم ثابت يبلغ 25 دولاراً لكل متر مربع. بالمقابل، لا تفرض دول الاتحاد الأوروبي إجراءات مماثلة، ما يفسح المجال أمام تدفق المنتجات الصينية منخفضة الكلفة إلى السوق الأوروبي، بما في ذلك الألواح والمحولات والمكونات المرتبطة.
طفرة محلية في الإنتاج والاستهلاك الذاتي
ورغم الصعوبات التصديرية، تظل الطاقة الشمسية أسرع مصادر الطاقة المتجددة نمواً داخل تركيا. فقد بلغت القدرة الشمسية المركبة في البلاد نحو22,000 ميغاواط حتى أبريل 2025، ضمن إجمالي قدرة كهربائية نظيفة تقارب119,000 ميغاواط.
ويرجع هذا النمو في المقام الأول إلى انتشار المشاريع الصغيرة وسطحية النطاق المخصصة للاستهلاك الذاتي، خصوصاً في المنازل والشركات، مدفوعة بانخفاض تكلفة الإنشاء بنسبة 50% بالدولار خلال خمس سنوات.
منذ عام 2022، أصبحت غالبية الإضافات إلى القدرة المركبة تأتي من قطاعات خاصة تبحث عن الاستقلال في الطاقة. إلا أن المقارنة مع دول مثل ألمانيا تُظهر تأخراً تركياً واضحاً، رغم أن أشعة الشمس في المناطق التركية الأقل إشراقاً تفوق مثيلاتها في المناطق الألمانية الأكثر إشراقاً.
فألمانيا تجاوزت107,000 ميغاواط من الطاقة الشمسية بحلول منتصف 2025، مع إضافات شهرية تفوق 1,000 ميغاواط، مقابل 4,000–5,000 ميغاواط فقط سنوياً في تركيا.
قدرات إنتاجية فائضة غير مستغلة
تضم تركيا حالياً نحو70 مصنعاً لإنتاج الألواح الشمسية بقدرة إنتاج إجمالية تصل إلى50,000 ميغاواط سنوياً، وهو ما يفوق الطلب المحلي بعشر مرات. هذا الفائض الضخم يمكن أن يلبي جزءاً كبيراً من احتياجات السوق الأوروبية، إذا توفرت بيئة تجارية عادلة وإصلاحات هيكلية في السياسة التصديرية.
وبحسب التحليل، فإن القدرة الشمسية النظرية لتركيا تتجاوز 200,000 ميغاواط، والتي إذا تم استغلالها بالكامل، يمكن أن تولد ما بين 330 إلى 350 تيراواط/ساعة سنوياً — وهو ما يعادل الاستهلاك السنوي الكامل للكهرباء في البلاد.
نجاح محدود في التصدير عبر الخدمات لا المنتجات
في حين يعاني القطاع الصناعي من معوّقات تصديرية، تحقق الشركات التركية نجاحاً أفضل في تصدير خدمات مرتبطة بالطاقة الشمسية، لاسيما في مجالات الهندسة والتوريد والبناء (EPC). وتعد رومانيا وبلغاريا وكازاخستان من أبرز الوجهات لهذه الخدمات.
إمكانات معدنية غير مستغلة بسبب ضعف القيمة المضافة
تمتلك تركيا أيضاً قطاعاً معدنياً قوياً، ما يمنحها ميزة نسبية في تصنيع هياكل الألمنيوم والصلب المستخدمة في الأنظمة الشمسية. غير أن التركيز الحالي على الإنتاج الضخم منخفض التكلفة، بدلاً من الابتكار والجودة، يحدّ من فرص التصدير ويقلل من القيمة المضافة للمنتجات.
تحذيرات من هدر الإمكانات دون إصلاحات
يحذر خبراء وممثلون عن القطاع من أن غياب السياسات التصديرية الفاعلة وارتفاع التكاليف يهددان بتجميد قدرات الإنتاج الضخمة في تركيا، في وقت تسعى فيه أوروبا إلى تنويع مصادر استيرادها بعيداً عن الصين.
ويؤكد المراقبون أن لدى تركيا المصانع الحديثة والكوادر الفنية، لكن دون تحرك سياسي وهيكلي سريع، ستظل هذه الطاقات مهدورة، ولن يتم استثمارها بالشكل الأمثل على الساحة الدولية.

