استيقظت تركيا، صباح السبت، على وقع حملة أمنية جديدة استهدفت بلدية إسطنبول الكبرى (İBB)، حيث شنت السلطات حملة اعتقالات واسعة طالت نحو خمسين موظفًا ومسؤولًا ومهندسًا ومخططًا من كبار الكوادر الذين يُشكلون “العقل المفكر” لمشاريع إسطنبول الحيوية، من البنية التحتية إلى المياه والثقافة والمواصلات.
عملية أمنية أم حرب على إرادة الناخبين؟
في تحليله عبر قناته على موقع يوتيوب، اعتبر المحلل السياسي التركي البارز أرقم طوفان أن الرئيس رجب طيب أردوغان بهذه الحملة “أطلق النار على قدمه” ودخل نفقًا مظلمًا يصعب الخروج منه.
وأوضح طوفان أن الحملة لم تقتصر على الكوادر الإدارية، بل تجاوزتها لتطال أقارب شخصيات مقربة من رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو، مثل شقيق زوجته وزوجة مستشاره الإعلامي مراد أونغون، دون وجود تهم جنائية مباشرة، ما يدل على أن القضية تتجاوز القانون لتصبح حربًا مكشوفة ضد إرادة إسطنبول وصناديق الاقتراع ومستقبل المدينة.
خلفيات التصعيد: قناة إسطنبول والصراع على الموارد
أرجع طوفان أسباب هذا التصعيد إلى مواقف الكوادر البلدية الرافضة لمشروع “قناة إسطنبول”، الذي يحظى بدعم رئاسي ويثير في المقابل اعتراضات واسعة من قبل الخبراء والناشطين البيئيين لما يحمله من تهديد مباشر لموارد المياه الحيوية، خاصة بعد قرارات İSKİ بوقف بناء الوحدات السكنية فوق حوض سد سزلدرة.
ورأى طوفان أن الدفاع عن مياه إسطنبول ومصالح سكانها وضع هؤلاء المسؤولين في مرمى نيران السلطة، التي ردت بعملية قمع واسعة لكسر إرادة البلدية.
التوقيت المدروس للعملية الأمنية
لفت طوفان إلى أن اختيار يوم السبت لتنفيذ الاعتقالات لم يكن اعتباطيًا؛ بل جاء لتفادي اهتزاز الأسواق المالية وهروب الاستثمارات، كما حدث سابقًا في مارس 2024، حين فقدت البورصة التركية أكثر من خمسين مليار دولار خلال يومين بسبب حملة اعتقالات مماثلة.
القضاء التركي.. أداة سياسية بيد القصر
وصف طوفان المشهد القضائي في تركيا اليوم بأنه أشبه بـ”الكوميديا السوداء”، موضحًا أن القضاء بات أداة طيّعة بيد السلطة السياسية تُستخدم لتحقيق أهدافها: يتم الالتفاف على قواعده أو انتهاكها حسب الضرورة.
وأشار إلى حالة محامي إمام أوغلو، الذي تعرّض لملاحقة عبثية، حيث طلب منه عبر الهاتف أن يرسل موقعه الجغرافي ليتم اعتقاله، رغم تأكيده استعداده للمثول الطوعي أمام القضاء.
كما كشف طوفان عن مشاهد أخرى أكثر قتامة، إذ جرى إعلان بعض المعتقلين “نادمين” دون حضور محاميهم، في خرق صريح لأبسط قواعد المحاكمة العادلة، مما يكشف حجم الضغط والابتزاز الممارس خلف الكواليس.
التداعيات الدولية: أزمة ثقة في تركيا
لم تعد هذه الممارسات محصورة بالداخل التركي فحسب، بل باتت محل انتقاد دولي واضح، وفق طوفان. فقد عبرت مؤسسات غربية كـ”فايننشال تايمز” والاتحاد الأوروبي عن قلقها العميق من انهيار سيادة القانون في تركيا، وسط تزايد عزوف المستثمرين الأجانب، وتسارع ارتفاع التضخم الذي بات ينهك المواطن التركي.
أردوغان في مأزق لا مخرج منه
أكد طوفان أن أردوغان عالق الآن بين خيارين كلاهما مر: التراجع سيُقرأ كضعف وهزيمة، أما التصعيد فسيؤدي إلى تفاقم الغضب الشعبي.
وأشار إلى أن كل حملة أمنية جديدة تنعكس فورًا على نسب التأييد، حيث تراجعت شعبية أردوغان وحزبه وفق أحدث استطلاعات الرأي، مقابل صعود نجم المعارضة، خاصة بعد رسائل إمام أوغلو الأخيرة التي خاطب فيها الأتراك قائلا: “نحن نكبر بالملايين”، في إشارة إلى اتساع دائرة المؤيدين.
إسطنبول.. بداية سقوط منظومة الخوف
وختم طوفان تحليله بالتأكيد أن معركة إسطنبول ليست سوى بداية النهاية، إذ باتت معالم سقوط منظومة الخوف واضحة للعيان، ليس فقط في الداخل التركي، بل أمام أنظار المجتمع الدولي أجمع.

