في تطور لافت ينذر بتداعيات سياسية وأمنية واسعة، كشفت شهادات أدلى بها الشاهد جميل أونال، الخاضع لحماية أجهزة الاستخبارات الأمريكية والهولندية، عن خيوط شبكة معقدة من الجريمة المنظمة، بقيادة خليل فاليالي، المقتول في 2022، تورّطت فيها شخصيات نافذة في تركيا، بعضها مقرب من دوائر الحكم.
وكان جميل أونال لجأ إلى هولندا بعد اغتيال فاليالي، حيث ألقي القبض عليه قبل 16 شهراً، وجرى سجنه مؤقتاً، ليصبح لاحقاً “مخبراً” لدى الأجهزة الاستخباراتية، وهو يخضع حالياً لحماية مباشرة من قبل الاستخبارات الهولندية والأمريكية، ويُحتجز داخل منزل تحت الحراسة الدائمة.
وبحسب الحوار الذي أجرته رئيسة تحرير ومالكة صحيفة “قبرص اليوم” عاشمدن آكين مع جميل أونال، الذي قال إنه من أسس “إمبراطورية فاليالي”، فإن شهادته (أونال) المؤلفة من 120 صفحة قد تم تسليمها إلى المدعي العام الأمريكي، وتتناول تفاصيل حساسة مرتبطة بملف اغتيال زعيم المافيا القبرصي التركي خليل فاليالي في 2022، إضافة إلى نشاطات غسيل أموال وتهريب مخدرات على نطاق واسع.
هذه التسريبات، التي بدأت تتسرب إلى الرأي العام بعد تاريخ 19 مارس، كشفت عن أسماء ذات ثقل سياسي، بينها نجل رئيس الوزراء السابق بن علي يلدريم، ونجل وزير الخارجية الحالي هاكان فيدان، إضافة إلى شخصيات محسوبة على الدائرة المقربة من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، مثل مقصود سريم. وهو ما اعتبره مراقبون ضربة قاصمة لصورة السلطة ومصداقية مؤسسات الدولة، وخاصة القضاء والأجهزة الأمنية في تركيا.
أزمة ثقة عميقة
يرى محللون أن ما تم الكشف عنه يمثل أحد أخطر التحديات التي تواجه نطام أردوان في السنوات الأخيرة، إذ يعزز من انعدام الثقة بين المواطنين ومؤسسات الحكم، لا سيما أن القضاء التركي لم يتحرك حتى الآن لفتح تحقيق مستقل حول مضمون هذه الشهادات، رغم خطورتها. كما أن الصمت الرسمي، بما في ذلك من الشخصيات الواردة أسماؤهم في الشهادات، فُسّر على أنه إقرار ضمني أو عجز عن المواجهة.
اهتزاز داخل النظام
تزامن الكشف عن هذه الشهادات مع تصاعد أصوات من داخل النظام التركي تُبدي قلقها من الانحرافات التي تشهدها بنية الدولة. ومن أبرز تلك الأصوات، تصريحات عضو مؤسس في حزب العدالة والتنمية، بولنت أرينتش، الذي انتقد علناً ما وصفه بـ”المؤامرة القضائية” التي انتهت باعتقال رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو، وهو ما فُهم على أنه إشارة إلى وجود شرخ داخلي وتباين في الرؤية بين أجنحة الحكم في هذا الشأن.
العدالة خارج الحدود
اللافت أن الشهادة التي تم تقديمها في هذه القضية الحساسة، لم تُدل بها أمام النيابة التركية، بل أمام مدعٍ عام أمريكي، وبحماية أجهزة أجنبية، وهو ما اعتبره كثيرون دليلاً دامغاً على تآكل استقلالية القضاء التركي، وتراجع ثقة المجتمع الدولي بآليات العدالة المحلية. وإذا استمرت هذه الاتجاهات، فقد لا يكون مستبعداً أن تتخذ الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي خطوات قانونية أو سياسية تجاه تركيا، خاصة في قضايا غسل الأموال وتجارة المخدرات العابرة للحدود.
وخلصت رئيسة صحيفة قبرص اليوم عائشمدن آكين إلى أن ما يجري يتعدى كونه مجرد اتهامات تطلقها شخصيات خارجة عن القانون، بل يمثل اختراقاً خطيراً من قبل أجهزة استخبارات دولية، ومؤشراً على هشاشة المنظومة القانونية والسياسية في تركيا. كما أشارت إلى أن ما كشفه جميل أونال اليوم كان قد سبقه إليه زعيم المافيا السابق سادات بكر، الذي تحدث عن مليارات الدولارات من الأموال غير المشروعة، وعلاقات وثيقة بين رجال الدولة والمافيا.
تعافي المعارضة وتعميق السردية المضادة
تمنح هذه الشهادات دفعة قوية لخطاب المعارضة التركية، التي طالما نادت بوجود “تحالف غير مقدس” بين الدولة والمافيا وأجهزة الإعلام التابعة للنظام. إذ تقدم التسريبات الأخيرة سنداً سردياً ومعنوياً قوياً لرواية المعارضة، وتوفر لها مادة انتخابية قد تُستثمر في استقطاب قطاعات جديدة من الناخبين، خصوصاً في المدن الكبرى التي تشهد تراجعاً في شعبية حزب العدالة والتنمية.
هل نشهد مواجهة داخلية؟
وقالت الصحفية القبرصية إن ما كُشف حتى الآن ليس سوى رأس جبل الجليد، ولكن طبيعة الأسماء المتورطة وحجم الشبكات المالية والجريمة العابرة للحدود تشير إلى أننا أمام مرحلة قد تكون حاسمة في تاريخ الجمهورية التركية، تفتح الباب أمام إعادة هيكلة الدولة، أو انهيار تدريجي للمنظومة الحالية، إذا لم يتم التعامل مع الملفات بشفافية وعدالة.
وفي ظل تشابك المصالح داخل الدولة، وارتباط الشهادات بأسماء فاعلة في مؤسسات الحكم، لا يُستبعد أن تشهد المرحلة المقبلة موجة من التصفيات الداخلية والصراعات بين الأجنحة المتنازعة. وربما تبدأ حملة تسريبات مضادة، أو محاولات لتشويه سمعة الشهود، بهدف كسر مصداقية الملف وتحييده عن الرأي العام.
نحو مفترق طرق حاسم
تكشف هذه التطورات عن مرحلة مفصلية في التاريخ السياسي المعاصر لتركيا، حيث لم تعد قضايا الفساد والجريمة المنظمة مجرد اتهامات إعلامية أو مناكفات حزبية، بل تحوّلت إلى ملفات قضائية دولية موثقة، تهدد بتقويض شرعية النظام القائم، أو على الأقل تفرض عليه إعادة النظر في بنيته وآليات حكمه.
وفي غياب محاسبة حقيقية أو اعتراف رسمي، تظل هذه الشهادات قنبلة موقوتة قد تنفجر في أي لحظة، ما لم تُبادر الدولة إلى التعامل معها بشفافية ومسؤولية.

