شهدت مدينة كولن الألمانية فعالية حقوقية نظمها مركز Weltanwälte e.V، تزامناً مع “يوم المحامي” في 5 أبريل، وذلك بمشاركة عدد كبير من المحامين من ألمانيا وهولندا، بهدف تسليط الضوء على تصاعد الانتهاكات القانونية والحقوقية التي تطال مهنة المحاماة في تركيا وعدد من دول العالم.
وفي كلمته خلال البرنامج، شدد رئيس الجمعية، المحامي مراد رشاد بوزقورت، على أن المحامين لا يدافعون فقط عن موكّليهم، بل يحملون على عاتقهم مهمة الدفاع عن المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان والحريات العامة. وأوضح أن هذا الدور يجعلهم عرضةً لاستهداف منهجي وممنهج من قبل السلطات، في ظل غياب ردود فعل كافية من النقابات المهنية المعنية بحماية المهنة، ما يفاقم الوضع القائم.
وأشار بوزقورت إلى أن آلاف المحامين في تركيا تعرضوا خلال السنوات الأخيرة للاعتقال أو المحاكمة أو سُحبت منهم تراخيص مزاولة المهنة، لا لشيء سوى أنهم أدّوا واجبهم في الدفاع عن موكّليهم وفق مقتضيات القانون. وقال: «نحن نواجه هجوماً واعياً ومنظّماً على مهنة المحاماة. ومن المؤسف أن الهيئات المهنية لا تتخذ موقفاً قوياً ضد هذه الانتهاكات، الأمر الذي يتطلب نضالاً جماعياً طويل النفس، تكون منظمات المجتمع المدني فيه في طليعة الجهود المبذولة».
كما أكد على أن الجمعية تسعى لترسيخ هذا الوعي بين الأجيال الجديدة من الحقوقيين، من خلال مبادرات وأنشطة تهدف إلى تعزيز الثقافة القانونية المرتكزة على الكرامة والعدالة.
نموذج من الانتهاكات: قضية المحامي توران جانبولات
ضمن الفعالية، قدّم المحامي محمد جانبولات شهادة مؤلمة عن شقيقه المحامي توران جانبولات، المعتقل في السجون التركية منذ يناير 2016، أي قبل محاولة الانقلاب في 15 يوليو بأشهر. وأوضح أن شقيقه توجّه إلى قسم مكافحة الإرهاب في مدينة ملاطية للدفاع عن موكّليه، لكن اسمه أُضيف لاحقاً بخط اليد إلى قائمة الموقوفين، ليتم اعتقاله لاحقاً دون مبرر قانوني.
ورغم وجوده في السجن لحظة محاولة الانقلاب، فقد اتُّهم لاحقاً بالمشاركة فيها، بل وتمت محاكمته على هذا الأساس، وحدد موقع الجريمة بأنه العاصمة أنقرة، وليس ملاطية حيث كان مسجوناً. وأكد أن فترة العقوبة القانونية لشقيقه قد انتهت، لكنه لا يزال قيد الاحتجاز، مما يعكس حجم الظلم الذي تعرض له، فقط لأنه مارس مهنته في الدفاع عن موكّليه.
الاعتقال خلال الحمل والعنف في السجن
من جهتها، استعرضت المحامية أليف أوزغه خندقجي تجربتها القاسية مع الاعتقال، حيث ألقي القبض عليها وهي في شهرها الثامن من الحمل، وتعرضت للتعنيف الجسدي والنفسي بعد أن عرف المحققون أنها محامية، مطالبين إياها بالإدلاء بمعلومات تخص موكّليها.
وذكرت خندقجي أن القاضي المكلف بقضيتها أخبرها صراحة أن سبب محاكمتها هو أنها تولّت الدفاع عن موكّلين معينين. وعلى الرغم من إطلاق سراحها لاحقاً بفضل حملة تضامن واسعة على وسائل التواصل الاجتماعي، إلا أنها أُعيد توقيفها مجدداً على خلفية تحقيق في مدينة توكات لا علاقة لها به، فتم اعتقالها مع طفلها البالغ ثلاثة أشهر فقط.
وأكدت أنها واجهت عنفاً منهجياً في السجن، مشيرة إلى أن بعض عناصر السجن كانوا يتعمدون ممارسة الضغط النفسي والجسدي على المحامين المعتقلين. وقالت: «السلطات تشعر بالضيق من المحامين الذين يؤدون واجبهم المهني بمسؤولية، ولذلك تتعمد قمعهم، لكن لا خيار لنا سوى مواصلة النضال دون تراجع».
سياق أوسع للقمع
تأتي هذه الشهادات في سياق حملة قمع مستمرة تشنّها الحكومة التركية ضد المحامين، وخصوصاً أولئك الذين يُشتبه بعلاقتهم بحركة الخدمة المستلهمة من فكر الراحل فتح الله كولن. فبعد تحقيقات الفساد الشهيرة في ديسمبر 2013، التي طالت أبناء وزراء ومسؤولين مقربين من الرئيس رجب طيب أردوغان، شرعت السلطات التركية في تصنيف الحركة كتنظيم إرهابي، رغم أن المجتمع الدولي لا يعترف بهذا التصنيف.
وفي أعقاب محاولة الانقلاب في يوليو 2016، أعلنت الحكومة حالة الطوارئ، وأصدرت مراسيم طوارئ شملت فصل أكثر من 130 ألف موظف حكومي، واعتقال عشرات الآلاف، من بينهم أكثر من 1500 محامٍ، كما صودرت ممتلكات ومؤسسات بقيمة تتجاوز 15 مليار دولار، تم تحويلها إلى صندوق تأمين ودائع التوفير التركي (TMSF) الذي يخضع لإشراف مباشر من الرئاسة التركية، مما حوله إلى أضخم تكتل اقتصادي في البلاد.
يُذكر أن حملة القمع المستمرة طالت حتى النساء الحوامل، والأكاديميين، والصحفيين، وطلبة المدارس، في مشهد غير مسبوق في تاريخ الجمهورية التركية.
بحسب مركز ستوكهولم للحرية، فقد نفذت السلطات التركية أكثر من 5,500 عملية أمنية خلال عام واحد فقط (يونيو 2023 – يونيو 2024)، وأسفرت عن اعتقال ما لا يقل عن 1,595 شخصاً على خلفية الاشتباه بعلاقتهم بالحركة.
هذا وتؤكد تقارير حقوقية دولية وجود أكثر من 100 حالة وفاة “مشبوهة” في السجون، غالباً ما يُعلن عنها كـ”انتحارات”، بينما تتواصل عمليات التوقيف والاعتقال والتهجير القسري بحق الآلاف.

