يرى مراقبون أن الاتفاق السوري الكردي الأخير يمثل انتصارًا استراتيجيًا لدمشق في جهودها الرامية إلى استعادة وحدة البلاد، خاصة في ظل الاضطرابات المتصاعدة في الساحل الغربي ذات الطابع الطائفي. في المقابل، اعتُبر الاتفاق بمثابة “مخرج” لقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وذلك في ظل تصاعد الشكوك حول مستقبل الدعم الأمريكي لها، واحتمالية انسحاب القوات الأمريكية من المنطقة.
واعتبر تحليل إخباري نشرته صحيفة “الشرق الأوسط” اللندنية أن (قسد) أدركت أن موقفها التفاوضي بات يتآكل، ما دفعها للبحث عن ترتيبات سياسية تحفظ مصالحها. في حين ارتأى الخبير التركي في العلاقات الدبلوماسية والاستراتيجيات الدكتور نعيم بابور أوغلو أن هذه الخطوة، بالإضافة إلى عملية السلام الجديدة مع حزب العمال الكردستاني في الداخل التركي، من شأنها أن أن تسحب ورقة العمليات العسكرية من يد تركيا بسبب تهديد الإرهاب، وتحد من قدرة تركيا على اتخاذ أي إجراء عسكري ضد العمال الكردستاني وامتداده السوري في المستقبل، بحيث قد تطالبها الحكومة السورية والدول الإقليمية الأخرى بالخروج الكامل من الأراضي السورية.
الموقف الأمريكي بين الترحيب والحذر
ورحبت الولايات المتحدة بالاتفاق، حيث صرح وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في بيان رسمي بأن بلاده “ترحب بالاتفاق المعلن بين السلطات السورية المؤقتة وقوات سوريا الديمقراطية، والذي يهدف إلى دمج شمال شرق البلاد ضمن إطار سوريا موحدة”. وأكد روبيو أن الولايات المتحدة تدعم “انتقالًا سياسيًا يحقق حوكمة موثوقة وغير طائفية كأفضل وسيلة لتجنب مزيد من النزاعات”.
الدور الإيراني والسياق الإقليمي
نقلت “الشرق الأوسط” عن ديفيد داود، كبير الباحثين في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، قوله بأن هناك أطرافًا إقليمية تحاول تقويض الاتفاق، مشيرًا إلى أن إيران، التي خسرت نفوذها في سوريا بعد سقوط نظام الأسد وتراجع قوة (حزب الله)، قد تجد مصلحة في إضعاف موقف الشرع وإفشال جهوده في إعادة بناء الدولة السورية. ورأى داود أن نجاح الحكومة السورية في ضم مختلف المكونات الإثنية سيعزز من شرعيتها الدولية، وسيساعدها على تجاوز إرثها السابق.
القيادة الجديدة ومساعي توحيد الفصائل المسلحة
منذ أن أطاح التحالف الذي يقوده الشرع بنظام بشار الأسد في ديسمبر الماضي، تبذل الحكومة الجديدة جهودًا لتوحيد الفصائل المسلحة المنتشرة في البلاد، وفي مقدمتها (قسد)، التي تُعد القوة العسكرية الأبرز في شمال شرق سوريا، وهو ما جعل المفاوضات معها محورًا أساسيًا في سياسات دمشق. غير أن الوضع الأمني ظل هشًا، حيث تمثل القوات الكردية إحدى أكثر الجماعات تعقيدًا في ملف الترتيبات الأمنية المستقبلية.
الموقف الأمريكي ومتطلبات إدارة ترامب
لا تزال هناك تساؤلات حول مدى التزام الشرع بتنفيذ إصلاحات سياسية شاملة، خاصة أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ما زالت تشترط رفع العقوبات عن سوريا بتحقيق تقدم في قضايا داخلية وخارجية. ووفقًا لمسؤولي قسد، فإن واشنطن لعبت دور الوسيط في المفاوضات بين دمشق و(قسد). وقد أشارت تسريبات إلى أن ستيفن ويتكوف، المبعوث الرئاسي الخاص، زار دمشق مؤخرًا ضمن هذه المساعي، بل تزعم بعض المصادر أن مروحية أمريكية نقلت قائد قسد مظلوم عبدي إلى العاصمة لإجراء المفاوضات المذكورة. وبحسب داود، فإن إدارة ترامب تسعى لطمأنة الأكراد، تجنبًا لتكرار سيناريو الانسحاب الفوضوي من أفغانستان، وتحرص في الوقت ذاته على التنسيق مع تركيا، رغم استمرار أنقرة في تصنيف (قسد) كجهة إرهابية في الوقت الراهن.
التقاطعات الإيرانية – الإسرائيلية في سوريا
يرى بعض المراقبين أن هناك تناقضًا في الأهداف بين إيران وإسرائيل فيما يتعلق بمستقبل سوريا. فبينما تسعى إيران لإضعاف الشرع وتشويه صورته كزعيم معتدل، يبدو أن التدخل الإسرائيلي في قضية الدروز يهدف إلى إعاقة توحيد سوريا، وهو ما يتقاطع – بشكل غير مباشر – مع المصالح الإيرانية. ويشير داود إلى أن طهران تحاول إظهار الشرع على أنه لا يزال متطرفًا، في محاولة منها لإبقاء العقوبات الأمريكية قائمة، ما قد يحدّ من قدرته على توحيد البلاد.
(قسد) بين التحالفات والتحديات
كانت (قسد) الحليف الأساسي للولايات المتحدة في محاربة تنظيم “داعش”، حيث حققت مكاسب كبيرة مكنتها من فرض سيطرتها على شمال شرق سوريا، وإقامة إدارة ذاتية بحكم الأمر الواقع. وقد استفادت القوات الكردية من الدعم الأمريكي، حيث خصصت واشنطن لها 186 مليون دولار في عام 2024. غير أن عودة ترامب إلى البيت الأبيض أثارت تساؤلات حول استمرار هذا الدعم، لا سيما أنه تبنى نهج “أميركا أولًا”، وعبّر عن عدم رغبته في استمرار التورط الأميركي في سوريا.
إشكاليات الاتفاق وأسئلة لم تُحسم بعد
على الرغم من أهمية الاتفاق بين دمشق و(قسد)، إلا أن هناك العديد من الأسئلة التي لم تُحسم بعد. فهل سيتم دمج (قسد) في الجيش السوري كقوة عسكرية مستقلة، وهو الأمر الذي رفضته حكومة الشرع في مفاوضات سابقة؟ وكيف سيتم تنفيذ قرار وقف إطلاق النار في جميع أنحاء سوريا، بينما لا تزال المواجهات قائمة في الشمال الشرقي بين (قسد) والفصائل المسلحة المدعومة من تركيا؟ كذلك، هل يشكل الاتفاق خطوة نحو إعادة النظر في العملية السياسية التي أطلقتها حكومة الشرع، والتي تعرضت لانتقادات بسبب ما وُصف بـ”احتكار السلطة”؟
في ظل هذه التعقيدات، يبقى الاتفاق بين الحكومة السورية و(قسد) خطوةً بارزة في المسار السياسي السوري، لكنه لا يزال يواجه تحديات داخلية وإقليمية قد تحدّ من فاعليته. وبينما تحاول دمشق إعادة بسط سيطرتها على كافة المناطق، تبقى التوازنات الدولية والرهانات الإقليمية عاملًا حاسمًا في تحديد مستقبل هذا الاتفاق ومدى نجاحه. لكن بحسب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان فإن الاتفاق يخدم السلام والاستقرار في سوريا.

