في خطوة تصعيدية تؤكد توترات سياسية وأمنية، أطلقت السلطات التركية تحقيقًا ضد عدد من البلديات التابعة لحزب الشعب الجمهوري (CHP) في إسطنبول، تشمل بلديات عطاشهير ومالتيبه وساريير وشيشلي، بتهم دعم منظمة “DHKP-C” الإرهابية من خلال تمويل هذه المنظمة عبر المناقصات العامة التي جرت بين عامي 2014 و2016.
وتزامن التحقيق مع سلسلة من الاعتقالات التي شملت 32 شخصًا، منهم موظفون في البلديات المعنية. تزداد خطورة هذه التحقيقات بالنظر إلى حجم الاتهام الموجه للسلطات المحلية سابقًا، والذي قد يترتب عليه تأثيرات سياسية وأمنية كبيرة.
التحقيقات: اتهامات بالتواطؤ مع “DHKP-C”
أفادت مصادر رسمية بأن التحقيقات التي أجرتها النيابة العامة في إسطنبول كشفت عن شبهات قوية حول قيام مسؤولي بلديات الحزب المعارض بتسهيل تمويل جبهة–حزب التحرر الشعبي الثوري الإرهابية عبر عقود المناقصات.
ويستند التحقيق إلى عملية “كازوفا” في الفترة بين 2014 و2016، حيث تم توفير تمويل للمنظمة من خلال المواد المنتجة في المصنع التابع لهذه المناقصات، وهو ما يُعتبر تمويلًا غير مشروع لمجموعة تصنفها تركيا ودول أخرى على أنها إرهابية.
وفقًا للمصادر الأمنية، فقد تم إصدار أوامر اعتقال بحق 38 شخصًا، منهم 32 تم اعتقالهم بالفعل، وهم يتنوعون بين موظفين حكوميين ومسؤولين في البلديات المعنية. ومن المثير للجدل أن من بين الذين تم استدعاؤهم للإدلاء بشهاداتهم شخصيات بارزة مثل علي كيليج، الرئيس السابق لبلدية مالتيبه، الذي تمت الإشارة إليه كضحية، إلى جانب خَيْري إينونو، الرئيس السابق لبلدية شيشلي، وأمير صاريغول، نائب رئيس البلدية الأسبق، الذين تمت دعوتهم كشهود رئيسيين في القضية.
تساؤلات حول التأثير السياسي والتوقيت
تتزامن هذه التحقيقات مع موجة من الانتقادات الحادة التي تتعرض لها حكومة الرئيس رجب طيب أردوغان، والتي ترى المعارضة أن هذه التحقيقات قد تحمل أبعادًا سياسية أوسع من مجرد قضية فساد أو تمويل. من جانبه، يشدد حزب الشعب الجمهوري على أن هذه التحقيقات جزء من حملة لتشويه سمعة الحزب وإضعافه قبيل الانتخابات القادمة. ويظهر أن بعض الدوائر السياسية تعتبر أن الحملة ضد البلديات تتزامن مع محاولات السيطرة على الأوضاع المحلية في المدن الكبرى، مثل إسطنبول، التي تدار حاليًا من قبل مرشحي الحزب المعارض.
رفض طلب صالة رياضية لاجتماع إكريم إمام أوغلو
في السياق ذاته، أثارت زيارة أكرم إمام أوغلو، رئيس بلدية إسطنبول، إلى كاستامونو غضبًا كبيرًا داخل صفوف المعارضة بعد رفض طلبه لاستخدام صالة رياضية لإجراء اجتماع انتخابي. السلطات المحلية، التي تتبع الحكومة، بررت الرفض بأن الصالة كانت محجوزة لأغراض رياضية، في حين رأت المعارضة أن هذا القرار اتخذ لأسباب سياسية محضة. واعتبر رئيس بلدية كاستامونو، حسن بالتاجي، أن هذا القرار يحمل دوافع سياسية تهدف إلى منع إمام أوغلو من التواصل مع أنصار الحزب في المدينة.
القرار الحكومي كان له تداعيات سريعة، حيث اضطر إمام أوغلو إلى تعديل برنامج زيارته والانتقال إلى مكان آخر لعقد اللقاءات مع المواطنين. بدلاً من الصالة الرياضية، سيتم عقد اللقاء في سوق كوزيكينت في الساعة 8:30 مساءً يوم الأربعاء 12 مارس. وقد وصف بالتاجي القرار بأنه “محكوم بالمصالح السياسية”، داعيًا المواطنين إلى تقديم تقييمهم لهذا القرار الذي، وفقًا له، ينم عن محاولات لتقليص المساحات الديمقراطية أمام منافسي الحكومة.
ردود فعل شعبية وإعلامية
الرفض الذي تعرض له طلب أكرم إمام أوغلو أثار غضبًا في أوساط المعارضة، حيث وصف العديد من القيادات السياسية والحقوقية القرار بأنه غير مبرر ويعكس صورة من التضييق على المعارضة. كما تم تداول ذلك بشكل موسع في وسائل الإعلام، التي اتهمت الحكومة بممارسة ضغوط سياسية على المؤسسات المحلية لمنع عقد مثل هذه اللقاءات السياسية. من جهة أخرى، تبقى الأنظار مشدودة إلى كيفية تأثير هذه الحوادث في المزاج الشعبي، خاصة في ظل الأجواء الانتخابية المتوترة.
فيما يخص التحقيقات الخاصة بتمويل جبهة–حزب التحرر الشعبي الثوري في تركيا، فإن تداعيات هذه القضية قد تمتد إلى ما هو أبعد من المحاكمات، حيث يتوقع المراقبون أن تزداد الشكوك حول نزاهة الانتخابات المقبلة، خاصة في ظل الظروف الحالية التي تتميز بالتصعيد السياسي بين الحكومة والمعارضة.

