بقلم: ياوز أجار
شهد التاريخ الحديث تحولات استراتيجية كبرى فرضتها ضرورات الواقع السياسي والاقتصادي والعسكري على القوى العظمى، ما دفعها إلى إعادة تشكيل سياساتها الخارجية بما يتناسب مع المعطيات الجديدة. من بين أبرز هذه التحولات كان تراجع الدولة العثمانية وتقلصها داخل الأناضول، ثم انسحاب الاتحاد السوفيتي من مناطق نفوذه بعد انهياره، وأخيرًا الحديث المتزايد عن انسحاب الولايات المتحدة التدريجي من الشرق الأوسط. هذه الظواهر تعكس نمطًا متكرّرًا من الانكماش الاستراتيجي الذي تتبعه القوى الكبرى عندما تجد نفسها أمام تحديات تفوق قدرتها على السيطرة والاستدامة.
التراجع العثماني والتقلص إلى الأناضول
في أواخر العهد العثماني، ومع تصاعد التهديدات الداخلية والخارجية، أدرك صناع القرار أن الإمبراطورية آيلة إلى الزوال الكامل، فاختاروا التراجع الاستراتيجي والتركيز على الأناضول كمركز جغرافي يمكن الدفاع عنه وحمايته، بدلًا من محاولة الحفاظ على إمبراطورية مترامية الأطراف لم يعد بالإمكان السيطرة عليها. هذا القرار كان مدفوعًا بعوامل عدة، منها الضغوط العسكرية من القوى الأوروبية، والتحديات الاقتصادية، وتنامي النزعات القومية داخل الدولة العثمانية، فضلًا عن الاختلال الداخلي الذي جعل الحكم المركزي غير قادر على بسط سيطرته على الأقاليم البعيدة.
الانسحاب السوفيتي وإعادة رسم الاستراتيجية
عندما رأت الاستخبارات السوفيتية (KGB) أن الولايات المتحدة تسعى إلى استخدام دول “الحزام الأخضر” كسدٍّ أمام التوسع السوفيتي خلال الحرب الباردة، قررت موسكو الانسحاب التدريجي من بعض المناطق، مركزة نفوذها داخل حدود روسيا الحالية. لم يكن هذا الانسحاب مجرد تراجع قسري، بل كان خطوة محسوبة تهدف إلى تقليص الأعباء الاستراتيجية والاقتصادية، مع محاولة قلب الموازين لصالحها من خلال بناء علاقات جديدة مع الدول الإسلامية، بل ودعم بعض الحركات الإسلامية المتطرفة لضرب المصالح الأمريكية في مناطق مختلفة من العالم.
التراجع الأمريكي في الشرق الأوسط: استراتيجية أم اضطرار؟
اليوم، يطرح السؤال نفسه: هل قررت الولايات المتحدة، ممثلة في البنتاغون والنخبة السياسية، تبنّي استراتيجية مشابهة للتراجع الاستراتيجي كما فعلت الإمبراطورية العثمانية والسوفيتية؟ وهل يأتي الحديث المتزايد عن انسحاب “تدريجي” من الشرق الأوسط في سياق التخلص من الضغوط المتزايدة من الأنظمة والمجموعات الإسلامية الموالية لروسيا؟
منذ بداية القرن الحادي والعشرين، تبنّت الولايات المتحدة سياسة تدخلية مكثفة في الشرق الأوسط، بدءًا من غزو العراق في 2003، مرورًا بالحرب في أفغانستان، وانتهاءً بالتدخلات غير المباشرة في سوريا واليمن وليبيا. غير أن هذه التدخلات لم تحقق النتائج المرجوة، بل أرهقت الاقتصاد الأمريكي وزادت من مستوى العداء للولايات المتحدة في المنطقة، مما دفع مراكز صنع القرار إلى إعادة النظر في هذه الاستراتيجية.
اليوم، ومع تصاعد نفوذ الصين وروسيا في المسرح الدولي، يبدو أن الولايات المتحدة لم تعد ترى الشرق الأوسط كأولوية استراتيجية كما كان الحال سابقًا. بدلًا من ذلك، هناك توجه لإعادة التموضع نحو منطقة المحيطين الهندي والهادئ لمواجهة النفوذ الصيني المتزايد، مما يجعل الانسحاب من الشرق الأوسط مسألة وقت وليس خيارًا مستبعدًا.
الدول المرشحة لملء الفراغ الاستراتيجي
مع تراجع النفوذ الأمريكي، تبرز عدة قوى إقليمية تسعى إلى استغلال هذا الفراغ لتعزيز نفوذها، وعلى رأسها:
- تركيا: التي تسعى لتوسيع نفوذها عبر أدوات القوة الناعمة والخشنة، مستفيدة من علاقاتها مع العالم الإسلامي ووجودها العسكري في شمال سوريا والعراق وبعض الدول العربية الأخرى.
- إيران: التي تواصل تعزيز نفوذها الإقليمي عبر دعم الحركات المسلحة في لبنان وسوريا واليمن والعراق، في إطار إستراتيجيتها الموسع “الهلال الشيعي”
- روسيا: التي تملك قاعدة عسكرية في سوريا وتسعى إلى ترسيخ نفوذها عبر التحالفات السياسية والعسكرية.
- الصين: التي تعتمد على الدبلوماسية الاقتصادية، متخذة من مبادرة “الحزام والطريق” وسيلة لتعزيز وجودها في المنطقة.
تركيا بين المصالحة الكردية وإعادة تشكيل الأيديولوجيا
تطرح التطورات الحالية تساؤلات حول مستقبل السياسة التركية في ظل هذه التحولات الجيوسياسية، ومنها ما إذا كانت تركيا ستسعى إلى عقد مصالحة مع الأكراد كجزء من استراتيجيتها لملء الفراغ الناجم عن الانسحاب الأمريكي. إن تحقيق مصالحة حقيقية مع الأكراد سيتطلب تغييرًا جوهريًا في النهج السياسي التركي، بما في ذلك مراجعة الدستور وتعديل الأيديولوجيا القومية الكمالية، التي كانت منذ تأسيس الجمهورية مرتكزة على “القومية التركية” الصارمة.
فهل تشهد تركيا تحولًا أيديولوجيًا؟ الظروف الراهنة تشير إلى أن تركيا قد تواجه ضغوطًا تدفعها إلى تبنّي نهج جديد أكثر شمولية، يبتعد عن “الإسلاموية المتشددة” التي طبعتها سياسات حزب العدالة والتنمية، وكذلك عن “القومية العلمانية المتطرفة” التي طغت في العقود الأولى للجمهورية. من المرجح أن تتجه تركيا نحو صيغة أيديولوجية هجينة تتسم بقدر من “الديمقراطية والعلمانية الناعمة” على النموذج الأمريكي، وهو ما قد يساعدها على استعادة علاقاتها مع الدول الغربية والعربية معا.
التغيير السياسي في تركيا: هل هو حتمي؟
إذا كان الضغط الدولي والاقتصادي قد أجبر الدولة العثمانية في الماضي على التحول من الإسلاموية والعثمنة إلى القومية التركية، فإن الضغوط الحالية قد تؤدي إلى تحول جديد في تركيا. فهل يؤدي ذلك إلى تغيير النظام الحاكم نفسه؟
التاريخ يثبت أن التحولات الكبرى غالبًا ما تكون مصحوبة بتغيير في القيادة السياسية، سواء عبر الانتخابات أو التحولات الداخلية ضمن النخبة الحاكمة. ومع تزايد التحديات التي يواجهها نظام أردوغان، بدءًا من الأزمات الاقتصادية وصولًا إلى التوترات السياسية الداخلية والخارجية، لا يُستبعد أن تشهد تركيا تغييرًا في قيادتها أيضا، سواء بشخص جديد أو من خلال إعادة تشكيل التحالفات السياسية الحاكمة.
خاتمة
إن ما نشهده اليوم ليس مجرد إعادة تموضع عادي للقوى الدولية، بل هو تحول عميق في ميزان القوى الجيوسياسي. الولايات المتحدة، التي اعتادت لعب دور الشرطي العالمي، قد تجد نفسها مضطرة إلى التراجع، كما فعلت الإمبراطورية العثمانية والسوفيتية من قبلها. وفي ظل هذا التغيير، ستكون الدول الإقليمية، وعلى رأسها تركيا، أمام خيارات صعبة: إما إعادة تعريف دورها وأيديولوجيتها السياسية بما يتناسب مع المعطيات الجديدة، أو مواجهة تحديات تجعلها في موقف دفاعي بدلاً من أن تكون لاعبًا مؤثرًا. الأيام القادمة وحدها كفيلة بالإجابة عن هذه التساؤلات، لكن المؤكد أن الشرق الأوسط مقبل على مرحلة إعادة تشكيل كبرى، قد تغيّر ملامحه لعقود قادمة.

