في تطور لافت يعكس تصدّعات متزايدة داخل دوائر صنع القرار الأمريكية، أثار المسؤول السابق في مكافحة الإرهاب جو كِنت موجة من الجدل بعد تصريحاته التي ألمح فيها إلى احتمال انسحاب الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ليس بهدف تقليص الانخراط الخارجي، بل تمهيداً للانحياز إلى إسرائيل في صراع محتمل مع تركيا على الأراضي السورية.
جاءت تصريحات كِنت في سياق تفاعل مع انتقادات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للحلف، حيث شكك الأخير في جدوى الناتو، معتبراً أنه لم يقف إلى جانب الولايات المتحدة في اللحظات الحرجة، ولن يفعل ذلك مستقبلاً.
مناهضة داخلية: كِنت ينتقد التوجهات الاستراتيجية
ردّ كِنت على طرح ترامب بتفسير أكثر حدّة، مشيراً إلى أن الخروج من الناتو قد يكون مدفوعاً برغبة واشنطن في التحرر من التزامات الحلف، بما يتيح لها اتخاذ موقف صريح إلى جانب إسرائيل في حال اندلاع مواجهة مع تركيا داخل سوريا.
ولم يقتصر موقفه على هذا الجانب، بل كشف أيضاً عن أسباب استقالته في مارس الماضي من منصبه كمدير للمركز الوطني لمكافحة الإرهاب، حيث أعلن معارضته للحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، التي اندلعت في أواخر فبراير. واعتبر أن إيران لم تكن تشكل تهديداً وشيكاً للولايات المتحدة، متهماً الإدارة الأمريكية بالانجرار إلى الحرب تحت ضغط إسرائيل ولوبياتها النافذة في واشنطن.
وقد مثّلت استقالته آنذاك أول انتقاد علني رفيع المستوى من داخل إدارة ترامب تجاه تلك الحرب، ما يعكس عمق الانقسام داخل المؤسسات الأمريكية.
انتقادات للسياسة الأمريكية في سوريا
في مواقفه الأخيرة، وسّع كِنت دائرة نقده لتشمل السياسة الأمريكية في سوريا، معتبراً أن واشنطن ساهمت في إسقاط النظام السابق بقيادة بشار الأسد، ومهّدت الطريق لصعود قيادة انتقالية ذات خلفيات مثيرة للجدل، في إشارة إلى الرئيس السوري الحالي أحمد الشرع، الذي ارتبط سابقاً بهيئة تحرير الشام.
ووصف كِنت النهج الأمريكي في الشرق الأوسط بأنه أشبه بلعب دور “مشعل الحرائق ورجل الإطفاء في آن واحد”، داعياً إلى إنهاء هذا النمط من التدخلات التي يرى أنها تفتقر إلى الجدوى الاستراتيجية.
سوريا بعد الأسد: ساحة تنافس إقليمي
تأتي هذه التصريحات في ظل واقع سوري جديد تشكّل بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، حيث برزت تباينات حادة بين تركيا وإسرائيل حول مستقبل البلاد:
الرؤية التركية
تتحرك أنقرة نحو تطبيع العلاقات مع الحكومة الانتقالية، وتدعم مشروع إقامة دولة سورية مركزية موحدة، بقيادة أحمد الشرع، في محاولة لضمان الاستقرار ومنع تفكك البلاد.
المقاربة الإسرائيلية
في المقابل، تنتهج إسرائيل سياسة ميدانية هجومية، حيث نفذت أكثر من 800 غارة جوية و400 عملية توغل بري داخل الأراضي السورية منذ سقوط النظام، مستهدفة البنية العسكرية ومخازن الأسلحة ومراكز القيادة.
وتعكس هذه العمليات رؤية إسرائيلية واضحة تفضّل بقاء سوريا دولة ضعيفة ومجزأة، خشية من صعود نظام قوي مدعوم من تركيا ويضم عناصر سابقة من هيئة تحرير الشام، ما تعتبره تهديداً استراتيجياً بعيد المدى.
علاقات متقلبة بين أنقرة وتل أبيب
رغم استعادة العلاقات الدبلوماسية الكاملة بين تركيا وإسرائيل عام 2022 بعد سنوات من التوتر، سرعان ما دخلت هذه العلاقات في أزمة جديدة عقب الحرب الإسرائيلية على غزة في أكتوبر 2023.
وقد وصفت أنقرة العمليات الإسرائيلية في غزة بأنها إبادة جماعية، ودعمت تحركات قانونية في المحاكم والمنتديات الدولية ضد إسرائيل، التي بدورها رفضت هذه الاتهامات، مؤكدة أنها تمارس حقها في الدفاع عن النفس ضد حركة حماس.
دلالات استراتيجية: نحو إعادة تشكيل التحالفات
تعكس تصريحات كِنت تحولات أعمق في التفكير الاستراتيجي داخل الولايات المتحدة، حيث لم يعد النقاش يقتصر على جدوى التحالفات التقليدية، بل امتد إلى إعادة تعريف أولويات الأمن القومي، وخاصة في ظل تشابك الملفات في الشرق الأوسط.
كما تسلط الضوء على احتمال نشوء تصدعات داخل حلف الناتو نفسه، في حال تعارضت مصالح أعضائه في ساحات النزاع، خصوصاً مع وجود تركيا كعضو رئيسي في الحلف، مقابل علاقات واشنطن الوثيقة مع إسرائيل.

