في العاصمة التركية أنقرة، شكّل مؤتمر “أولاً يجب أن تتغير السياسة” الذي نظمته “منصة الديمقراطية” لحظة لافتة أعادت طرح إشكاليات النظام السياسي التركي. وقد جمع المؤتمر شخصيات سياسية وفكرية بارزة، من بينها أسماء وشخصيات قد اضطلعوا بأدوار في حكومات أردوغان السابقة.
برز خلال هذا اللقاء نقد حاد لما يُعرف بـ”النظام الرئاسي الحزبي”، حيث وصفه وزير التربية والتعليم الأسبق حسين تشيليك بوضوح بأنه “كارثة على تركيا”، داعياً إلى الخروج منه.
يرى محمود آقبينار أن أهمية المؤتمر لا تكمن فقط في مضمونه، بل في كونه دليلاً على أن الحس الديمقراطي داخل النخبة التركية لم ينطفئ بعد، رغم الضغوط السياسية المتزايدة.
من الوصاية العسكرية إلى الوصاية السياسية: تحوّل لا قطيعة
ينطلق آقبينار من سؤال مركزي: هل انتهت الوصاية العسكرية فعلاً في تركيا، أم أنها تبدّلت شكلاً فقط؟
يُذكّر بأن دولاً عديدة بعد انتهاء الحقبة الاستعمارية لم تترك فراغاً، بل خلّفت وراءها نخباً عسكرية ومدنية تتبنى نفس العقلية، وتعمل كحارس غير مباشر لمصالح القوى الكبرى.
ورغم أن تركيا لم تعرف استعماراً مباشراً، فإن مسارها السياسي – وفق التحليل – أظهر تشابهاً مع هذه النماذج، حيث لعبت نخب بيروقراطية وعسكرية دور “حامي النظام”، متدخلة كلما رأت أن المسار الديمقراطي ينحرف عن الإطار الذي رسمته.
تاريخ “ضبط التوازن”: من الانقلابات إلى التدخلات المؤسسية
يشير آقبينار إلى أن هذه الذهنية تجلّت عبر عقود في تدخلات متكررة، سواء عبر الانقلابات العسكرية أو من خلال القضاء والإعلام.
وقد تم الحفاظ على ما يسميه “نقاء المؤسسات الاستراتيجية”، حيث كانت تخضع لرقابة صارمة تمنع وصول شخصيات لا تنتمي إلى التيار السائد.
ففي فترات طويلة، جرى التعامل مع التيارات غير الكمالية بوصفها تهديداً، ما أدى إلى تهميشها ومنعها من الوصول إلى مواقع القرار، حتى في ظل وجود انتخابات.
التحول الاجتماعي: نهاية احتكار النخب التقليدية
يُبرز آقبينار أن التحولات الاجتماعية، خصوصاً منذ سبعينيات القرن الماضي، أدت إلى تغيّر عميق في بنية المجتمع التركي.
الهجرة من الريف إلى المدن أفرزت طبقة وسطى جديدة، استطاعت تدريجياً اختراق المؤسسات التي كانت مغلقة أمامها.
هذا التغيير أضعف قدرة النخب التقليدية على التحكم الكامل في الدولة، وأفقدها أدواتها القديمة في “ضبط التوازن” عبر الجيش والقضاء.
تغيير الأداة: صعود السياسة كبديل للوصاية العسكرية
مع تراجع دور المؤسسة العسكرية في التدخل المباشر، يرى آقبينار أن مراكز النفوذ لم تختفِ، بل أعادت تموضعها داخل المجال السياسي.
ويشير إلى أن هذه القوى وجدت في صعود أردوغان فرصة لإعادة إنتاج النفوذ، عبر دعم شخصية سياسية قادرة على مخاطبة الجماهير بلغة شعبوية، وفي الوقت نفسه قابلة لتوظيفها في إعادة تشكيل النظام.
ويستحضر في هذا السياق تصريحات أردوغان السابقة حول مشروع “الشرق الأوسط الكبير”، معتبراً أنها تعكس انخراطاً في ترتيبات أوسع من الإطار الوطني.
من محاولة انقلاب إلى تركيز السلطة: لحظة إعادة تشكيل الدولة
يضع آقبينار محاولة الانقلاب الغامضة في 2016 في قلب التحول السياسي، حيث يعتبرها نقطة مفصلية مكّنت أردوغان من إعادة هندسة مؤسسات الدولة.
ففي أعقاب هذه الأحداث، شهدت تركيا عمليات إقصاء واسعة طالت الجيش والقضاء والإعلام، ما أدى – بحسب التحليل – إلى تفريغ المؤسسات من كوادرها المؤهلة التي تشكّلت على مدى عقود.
ويشير إلى أن هذه العملية جرت تحت غطاء ديني وشعارات شعبوية، ما صعّب على المجتمع إدراك أبعادها الحقيقية في حينه.
تفكيك المؤسسات: من البرلمان إلى القضاء
يرى آقبينار أن النظام الرئاسي الحزبي أدى إلى إضعاف البنية المؤسسية للدولة، حيث تراجعت أدوار البرلمان، وتقلّصت استقلالية القضاء، وتحولت مؤسسات عديدة إلى أدوات تنفيذية بيد السلطة السياسية.
ويؤكد أن هذا التحول لم يكن مجرد تعديل دستوري، بل إعادة صياغة شاملة لطبيعة الحكم، نقلت تركيا من نظام تعددي نسبي إلى نموذج مركزي شديد التركيز.
السياق الدولي: تداخل المصالح والضغوط الخارجية
يربط آقبينار بين التطورات الداخلية في تركيا والتحولات الدولية، مشيراً إلى أن التوازنات العالمية تلعب دوراً في دعم أو إضعاف أنماط الحكم.
وفي هذا الإطار، يستحضر الجدل الدائر حول علاقة بنيامين نتانياهو ودونالد ترامب، وما يُثار حول تأثير ملفات حساسة على القرار السياسي الأمريكي، ليؤكد أن السياسة الدولية لا تنفصل عن أدوات الضغط والتأثير غير المباشر.
كما يشير إلى تصريح السياسي البريطاني جورج غالواي الساخر حول “من يدير الولايات المتحدة”، باعتباره تعبيراً عن الشكوك المتزايدة في استقلالية القرار السياسي لدى القوى الكبرى.
السؤال الجوهري: من يمارس الوصاية اليوم؟
يخلص آقبينار إلى أن اختفاء “الوصاية العسكرية” لا يعني نهاية الوصاية بحد ذاتها، بل انتقالها إلى شكل جديد أكثر تعقيداً.
ففي ظل ما يشهده الجيش والقضاء والاقتصاد والمؤسسات من تغييرات جذرية، يطرح سؤالاً محورياً: إذا كانت الوصاية العسكرية قد انتهت، فمن المسؤول عن أكبر عملية إعادة تشكيل – أو “تفكيك” – شهدتها مؤسسات الدولة في تاريخ الجمهورية؟
ويرى أن الإجابة عن هذا السؤال تتطلب إعادة فتح ملفات حساسة، وفي مقدمتها أحداث الانقلاب المزعوم في ٢٠١٦، بعيداً عن السرديات الرسمية الجاهزة.
التحدي الراهن: كيف يمكن كسر الحلقة؟
يشير آقبينار إلى أن إدراك الأزمة بات أكثر وضوحاً لدى بعض النخب، كما عكسه مؤتمر أنقرة، لكن المشكلة تكمن في غياب آلية واضحة للتغيير.
فالنظام الحالي رسّخ واقعاً سياسياً جديداً يصعب تفكيكه بالوسائل التقليدية، في ظل تراجع دور المؤسسات وتشتت المعارضة.
كما يحذر من أن أي محاولة لكشف الحقائق قد تواجه بردود فعل تصعيدية، في ظل خشية السلطة من فقدان السيطرة.

