كشفت بيانات معهد الإحصاء التركي عن تفاقم العجز في الميزان التجاري خلال فبراير، في ظل تسارع نمو الواردات بوتيرة تفوق الصادرات، ما يعكس اختلالًا مستمرًا في هيكل التجارة الخارجية لتركيا.
فجوة متزايدة بين الصادرات والواردات
سجلت الصادرات التركية ارتفاعًا طفيفًا بنسبة محدودة، لتبلغ نحو 21.05 مليار دولار، في حين ارتفعت الواردات بوتيرة أسرع وصلت إلى 5.5%، مسجلة 30.08 مليار دولار.
هذا التباين أدى إلى اتساع العجز التجاري الشهري بنسبة تقارب 16%، ليصل إلى 9.23 مليار دولار، بالتوازي مع تراجع نسبة تغطية الصادرات للواردات إلى 70%، بعد أن كانت أعلى في الفترة نفسها من العام السابق.
أداء بداية العام: اتجاه سلبي مستمر
خلال الشهرين الأولين من عام 2026، تعمّق هذا الاتجاه، حيث انخفضت الصادرات بنسبة 1.3% لتسجل 41.36 مليار دولار، مقابل زيادة الواردات بنسبة 2.8% إلى 58.77 مليار دولار.
ونتيجة لذلك، ارتفع العجز التجاري الإجمالي إلى 17.4 مليار دولار، بزيادة ملحوظة، فيما واصلت نسبة التغطية تراجعها إلى 70.4%، ما يعكس ضغوطًا مستمرة على الميزان التجاري.
قراءة أدق: استبعاد الطاقة والذهب
عند استبعاد منتجات الطاقة والذهب غير النقدي، تظهر صورة مختلفة نسبيًا، إذ ارتفعت الصادرات بنسبة 4.4% لتصل إلى 19.9 مليار دولار، بينما قفزت الواردات بنسبة 12.8% إلى 22.9 مليار دولار.
ورغم هذا التحسن النسبي في الصادرات، بقي العجز قائمًا عند نحو 2.99 مليار دولار، مع وصول حجم التجارة الإجمالي إلى 42.86 مليار دولار، مسجلًا نموًا سنويًا لافتًا.
كما ارتفعت نسبة تغطية الصادرات للواردات في هذا المقياس إلى 86.9%، وهو مستوى أفضل مقارنة بالمؤشر العام، لكنه لا يلغي استمرار الفجوة.
هيكل الصادرات والواردات: اعتماد مستمر على الخارج
تشير البيانات إلى هيمنة القطاع الصناعي على الصادرات بنسبة تقارب 93.8%، ما يؤكد الدور المركزي للصناعة في الاقتصاد التركي.
في المقابل، ساهمت قطاعات الزراعة والغابات والصيد بنسبة محدودة، تليها أنشطة التعدين والمحاجر.
أما على صعيد الواردات، فتظهر الأرقام اعتمادًا كبيرًا على السلع الوسيطة التي شكّلت أكثر من 70% من إجمالي الواردات، وهو ما يعكس استمرار اعتماد الصناعات التركية على مدخلات إنتاج مستوردة، ويُعد أحد أبرز أسباب العجز الهيكلي في الميزان التجاري.
الشركاء التجاريون: توازن مع أوروبا وضغط من آسيا
تصدّرت ألمانيا قائمة وجهات الصادرات التركية، تلتها المملكة المتحدة والولايات المتحدة وإيطاليا والعراق، ما يعكس استمرار ارتباط التجارة التركية بالأسواق الأوروبية والغربية.
في المقابل، جاءت الصين في صدارة الدول المصدّرة إلى تركيا، تليها روسيا ثم ألمانيا وسويسرا والولايات المتحدة، وهو ما يبرز ثقل الواردات القادمة من آسيا، خاصة في مجالات الطاقة والمواد الأولية.
مؤشرات شهرية وتقنية: نمو محدود واختلال هيكلي
تُظهر البيانات المعدلة موسميًا ارتفاعًا طفيفًا في الصادرات والواردات على أساس شهري، ما يشير إلى استقرار نسبي في النشاط التجاري، لكن دون تغيير جوهري في الاتجاه العام.
ومن ناحية أخرى، تبرز فجوة واضحة في قطاع التكنولوجيا، حيث لم تتجاوز حصة المنتجات عالية التقنية من الصادرات الصناعية 3.2%، مقابل 11.2% في الواردات، ما يعكس ضعف القدرة التنافسية في الصناعات المتقدمة واعتمادًا مستمرًا على الخارج في هذا المجال الحيوي.
جذور الأزمة التجارية
تكشف هذه الأرقام عن مشكلة هيكلية أعمق من مجرد تذبذب شهري، تتمثل في اعتماد الاقتصاد التركي على الاستيراد لتأمين مدخلات الإنتاج، مقابل محدودية في تنويع الصادرات ورفع قيمتها المضافة.
كما أن استمرار الفجوة التكنولوجية يضعف قدرة تركيا على تقليص العجز، في ظل منافسة عالمية متزايدة تتطلب استثمارات أكبر في الابتكار والصناعات المتقدمة.
في السياق الأوسع، يتقاطع هذا الوضع مع تحديات أخرى مثل تقلبات أسعار الطاقة، والضغوط التضخمية، وتغيرات سلاسل الإمداد العالمية، ما يزيد من تعقيد المشهد الاقتصادي.

