بقلم: سليم نيازي أوغلو
دخلت الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة شديدة الحساسية مع تصعيد غير مسبوق في خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي منح طهران مهلة لا تتجاوز ثمانٍ وأربعين ساعة لفتح مضيق هرمز بالكامل أمام الملاحة الدولية، دون قيود أو تهديدات.
التهديد الأميركي لم يكن دبلوماسيًا تقليديًا، بل جاء بصيغة مباشرة وحاسمة، إذ توعد بضرب منشآت الطاقة الإيرانية “بدءًا من أكبرها”، في حال عدم الامتثال. هذا الخطاب ترافق مع تصريحات أكثر حدّة، أشار فيها ترامب إلى أن الأهداف العسكرية للحرب تحققت قبل موعدها، في محاولة لإظهار التفوق الميداني وفرض معادلة ردع سياسية.
ويعكس هذا التوجه انتقال واشنطن من سياسة الضغط التدريجي إلى سياسة الإنذارات القصوى، في لحظة تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع رهانات الأسواق العالمية.
مضيق هرمز… من ممر ملاحي إلى أداة صراع استراتيجي
أصبح مضيق هرمز محور المواجهة الحالية، بعد أن أعلنت طهران تقييد الملاحة فيه منذ مطلع مارس، مهددة باستهداف أي سفن لا تنسق معها.
يمر عبر هذا الشريان الحيوي نحو عشرين مليون برميل نفط يوميًا، ما يجعله أحد أكثر النقاط حساسية في الاقتصاد العالمي. وبمجرد فرض القيود الإيرانية، شهدت الأسواق اضطرابًا واضحًا، تمثل في ارتفاع أسعار النفط وتكاليف الشحن والتأمين البحري.
تحول المضيق بذلك إلى ورقة ضغط مركزية بيد إيران، توازن بها التفوق العسكري الأميركي، عبر تهديد مباشر لإمدادات الطاقة العالمية، بما يفرض كلفة دولية على أي تصعيد.
الرد الإيراني… تصعيد محسوب ورسائل مزدوجة
في مواجهة التهديد الأميركي، لم تُبدِ طهران أي تراجع، بل أكدت استمرار إغلاق المضيق أمام ما تصفه بـ“سفن الأعداء”، مع الإبقاء على إمكانية المرور المشروط لبقية السفن عبر التنسيق معها.
بالتوازي، أطلقت القيادة العسكرية الإيرانية تحذيرًا صريحًا مفاده أن أي استهداف لمنشآت الطاقة سيقابله ضرب شامل للبنية التحتية للطاقة وتكنولوجيا المعلومات وتحلية المياه المرتبطة بالولايات المتحدة في المنطقة.
هذا الخطاب يكشف عن استراتيجية إيرانية مزدوجة تتمثل في إظهار الاستعداد للتصعيد العسكري الواسع، والإبقاء على نافذة دبلوماسية مشروطة بوقف العمليات العسكرية.
اتساع رقعة المواجهة… من إسرائيل إلى الخليج والعراق
تجاوزت المواجهة حدود الضربات المباشرة بين إيران وإسرائيل، حيث شهدت الأيام الأخيرة تطورات ميدانية لافتة كاستهداف مدينتي ديمونا وعراد في إسرائيل بصواريخ إيرانية، ما أدى إلى إصابة أكثر من مئة شخص وأضرار واسعة في الأبنية. بالإضافة إلى ضربات إسرائيلية متواصلة على طهران ومواقع استراتيجية، وهجمات بطائرات مسيرة على قاعدة قرب مطار بغداد الدولي، واعتراض صواريخ ومسيرات في السعودية والإمارات، ومحاولة فاشلة لاستهداف قاعدة دييغو غارسيا في المحيط الهندي.
وتشير هذه التطورات إلى انتقال الصراع من مواجهة ثنائية إلى صراع متعدد الساحات، مع احتمال فتح جبهات إضافية في الخليج والعراق، حيث تنتشر المصالح والقواعد الأميركية.
الحرب وتأثيرها على الأسواق… قنبلة اقتصادية موقوتة
تسببت الأزمة في ارتفاع سعر خام برنت إلى ما يتجاوز مئة وخمسة دولارات للبرميل، وسط مخاوف من اضطراب طويل الأمد في الإمدادات.
ويرى محللون أن استمرار التوتر، خاصة مع اقتراب انتهاء المهلة الأميركية، قد يؤدي إلى انهيار حاد في أسواق الأسهم العالمية وموجة تضخم جديدة واضطراب سلاسل الإمداد الدولية.
بهذا المعنى، لم تعد الحرب عسكرية فقط، بل تحولت إلى أزمة اقتصادية عالمية مفتوحة.
تعثر التحالفات… واشنطن بين العمل المنفرد والعزلة النسبية
رغم دعوة واشنطن لحلفائها لتأمين المضيق، لم تنجح في تشكيل تحالف دولي واسع. وقد أعلنت مجموعة من الدول استعدادها للمساهمة، لكن التردد ظل السمة الغالبة.
هذا التعثر يعكس مخاوف من الانجرار إلى حرب إقليمية شاملة، واختلاف المصالح الاقتصادية بين الدول، وغياب إجماع دولي واضح حول استراتيجية المواجهة.
وبالتالي، تجد الولايات المتحدة نفسها أمام خيارين صعبين: التحرك منفردة أو الاعتماد على تحالف محدود.
الكلفة السياسية والمالية… ضغط داخلي متصاعد في واشنطن
تتزايد الضغوط داخل الولايات المتحدة مع ارتفاع كلفة الحرب، التي بلغت مليارات الدولارات خلال فترة قصيرة.
داخل الكونغرس، بدأت تساؤلات جدية حول جدوى استمرار العمليات وحجم التمويل المطلوب والأهداف النهائية للحرب.
ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، يتحول الملف العسكري إلى عبء سياسي محتمل، يعيد إلى الأذهان تجارب العراق وأفغانستان.
صمود إيراني وتوازن ردع ناشئ
على خلاف التوقعات الأولية، أظهرت إيران قدرة ملحوظة على امتصاص الضربات والرد عليها، سواء عبر الصواريخ أو توسيع نطاق العمليات.
هذا الصمود خلق حالة من الردع المتبادل، حيث بات استمرار الحرب مكلفًا للطرفين، دون ضمان تحقيق حسم سريع.
مسار دبلوماسي موازٍ… من التصعيد إلى البحث عن تسوية
رغم التصعيد، تتسارع التحركات الدبلوماسية خلف الكواليس، بمشاركة أطراف إقليمية ودولية، أبرزها سلطنة عمان وتركيا ودول أوروبية.
تشير هذه التحركات إلى إدراك متزايد بخطورة استمرار الحرب، ومحاولة موازنة الضغط العسكري بمخرج سياسي، وبحث عن تفاهمات مرحلية، مثل خفض التصعيد أو قواعد اشتباك غير معلنة.
وتعكس الاستراتيجية الأميركية الحالية هذا التوازن، عبر الجمع بين التهديد العسكري والانفتاح على التفاوض.
نحو مفترق طرق حاسم
تقف الأزمة عند لحظة فاصلة بين مسارين: إما تصعيد قد يقود إلى حرب إقليمية واسعة تشمل البنية التحتية للطاقة أو مسار تفاوضي تدريجي يفضي إلى وقف إطلاق نار أو احتواء الصراع.
وتبقى الكلفة الاقتصادية والعسكرية العامل الأكثر تأثيرًا في تحديد الاتجاه النهائي.
ملخص القول إن التصعيد الأميركي والرد الإيراني يضعان المنطقة أمام لحظة حرجة قد تعيد تشكيل توازنات الشرق الأوسط، بينما تتحول كلفة الحرب إلى العامل الحاسم في دفع الأطراف نحو التسوية أو الانفجار.
مستقبل مضيق هرمز لم يعد قضية ملاحة فقط، بل بات مفتاحا لتحديد مسار النظام الإقليمي والاقتصاد العالمي في المرحلة المقبلة.

