تكشف البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة العدل التركية، والمجمّعة حديثًا، عن اتساع نطاق الملاحقات المرتبطة بالإرهاب منذ محاولة الانقلاب في صيف 2016، حيث خضع أكثر من ثلاثة ملايين شخص لتحقيقات جنائية، بينما صدرت إدانات بحق ما يزيد على نصف مليون شخص. تعكس هذه الأرقام حجم التحول في وظيفة قوانين الإرهاب داخل تركيا، وانتقالها من إطار مكافحي إلى أداة شاملة تطال فئات واسعة من المجتمع.
قفزة هائلة في عدد الإدانات
تشير الإحصاءات إلى قفزة تسعة أضعاف في الأحكام الصادرة بتهم إرهابية خلال السنوات التي تلت الانقلاب. فبينما لم تتجاوز الإدانات السابقة حدوداً محدودة، ارتفع عددها لاحقاً إلى مئات الآلاف. وبذلك أصبحت تركيا، وفق بيانات رسمية تردد صداها في البرلمان، تتعامل مع عدد من “المشتبهين بالإرهاب” يفوق بعشرة أضعاف ما هو مسجل في العالم بأسره.
هذا التوسع واجه انتقادات داخلية، إذ يرى حقوقيون وسياسيون معارضون أن هذا الاتجاه ولّد “مناخ خوف” وأن الإطار القانوني جرى تشكيله بما يخدم ضرورات سياسية أكثر منه معايير عدالة مستقلة.
استهداف جماعي: من الحركة الدينية إلى المجتمع المدني
تعود جذور الحملة إلى ما بعد تحقيقات الفساد في أواخر 2013، والتي تسببت في قطيعة بين الحكومة والحركة الدينية المرتبطة بفتح الله كولن. وبعد محاولة الانقلاب، واعتبار الحكومة الحركة “تنظيماً إرهابياً”، اتسعت دائرة الاستهداف لتشمل ليس فقط أتباع الحركة، بل أيضاً صحفيين ونشطاء أكراد ومعارضين سياسيين وموظفين حكوميين.
وبحسب خبراء قانونيين، لا تكمن الإشكالية في مكافحة الإرهاب بذاتها، بل في تفسير النصوص القانونية بطريقة فضفاضة تسمح باعتبار الروابط الاجتماعية أو المهنية دليلاً على الانتماء إلى “تنظيم إرهابي”. وتبقى الآثار ثابتة حتى في حالات البراءة، إذ يستمر “وسم الإرهاب” في حرمان الكثيرين من فرص العمل والسفر وإعادة الاندماج في المجتمع.
حالة الطوارئ: نقطة التحول الكبرى
أدّت حالة الطوارئ التي استمرّت حتى منتصف 2018 إلى أكبر موجة تطهير في تاريخ الجمهورية. وشملت الإقالات التعسفية عشرات الآلاف من الموظفين الحكوميين، بمن فيهم قضاة، مدعون عامون، وأفراد من القوات المسلحة. تمت هذه الإجراءات عبر مراسيم طوارئ غير خاضعة لأي رقابة قضائية أو برلمانية.
لم يُفصل هؤلاء الموظفون من الخدمة فقط، بل مُنعوا من العمل مرة أخرى في القطاع العام، كما تعرضوا لقيود على السفر عبر منعهم من الحصول على جوازات سفر. حتى القطاع الخاص تأثر بالقيود، بعد وضع إشارات تحذيرية في قواعد البيانات الحكومية لثني المؤسسات عن توظيف المفصولين.
انتقادات دولية متواصلة ودعوات للإصلاح
تواصل المنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان التحذير من استخدام قوانين مكافحة الإرهاب كأداة لمعاقبة المعارضين وكمبرر لتقييد حرية التعبير. وتطالب هذه الجهات بإعادة تعريف واضح لمفاهيم الإرهاب والعضوية والدعم ضمن القوانين الجنائية، بما يمنع التوسع في التأويل ويعيد الثقة إلى النظام القضائي.
ورغم هذا الزخم من الانتقادات، لا تزال أنقرة متمسكة بالسردية الرسمية التي تربط معظم الإجراءات بضرورات “مكافحة الإرهاب وحماية الأمن القومي”، بينما تبقى ملفات الإصلاح القانوني معلّقة دون خطوات جوهرية.

