يرى الكاتب الصحفي والمحلل السياسي التركي أمره أوسلو أن تركيا تدخل عام 2026 وهي مثقلة بإرث عام سابق مثّل ذروة في التصدعات السياسية والمجتمعية. فعام 2025، وفق توصيفه، لم يكن عامًا عاديًا في المسار السياسي التركي، بل شكّل لحظة كاشفة لانسداد الأفق في قضايا جوهرية، على رأسها طبيعة النظام، وحدود المعارضة، ووظيفة القضاء، وموقع تركيا الإقليمي.
وبرغم بروز مؤشرات خجولة على إمكانية التهدئة، سواء عبر الحديث عن حل سياسي للمسألة الكردية، أو تطورات إقليمية في سوريا، أو محاولات إنعاش الخطاب الاقتصادي، فإن هذه المؤشرات بقيت بلا أثر ملموس. ويعتبر أوسلو أن المجتمع التركي، منذ التحول الدستوري وما تبعه من إعادة هندسة شاملة للدولة، يعيش حالة أقرب إلى الشلل السياسي والمؤسسي، دون أن يلوح في الأفق مخرج واضح.
الاعتقالات الكبرى وإعادة تعريف المعارضة
يشير أوسلو إلى أن أبرز ما طبع المشهد الداخلي كان اعتقال رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو، إلى جانب إدخال عدد من رؤساء البلديات المنتمين إلى حزب الشعب الجمهوري السجن، فضلًا عن ملاحقة شبابية واسعة طالت المحتجين على تلك الاعتقالات. ويضع الكاتب هذه التطورات في سياق أوسع، يتمثل في تفكيك ممنهج لمراكز المعارضة الفعلية، وليس فقط تحييد شخصيات بعينها.
كما يلفت إلى أن إقصاء شخصيات إعلامية وسياسية كانت جزءًا من النظام السابق، مثل الكاتب الصحفي فاتح ألتايلي، يعكس مرحلة جديدة لا تتسامح حتى مع الأصوات التي نشأت داخل بنية النظام نفسه، في إطار إعادة كتابة غير معلنة لتاريخ السياسة التركية المعاصرة.
صراع ما بعد أردوغان داخل السلطة
بحسب تحليل أوسلو، لم تعد التوترات مقتصرة على العلاقة بين السلطة والمعارضة، بل باتت واضحة داخل حزب العدالة والتنمية نفسه. فقد ظهرت إلى العلن ملامح صراع مبكر على مرحلة ما بعد رجب طيب أردوغان، تجلى في ملفات عدة، من بينها السيطرة على المؤسسات الإعلامية، وتحركات رجال أعمال لنقل أموالهم إلى الخارج، إضافة إلى التباينات المتزايدة بين أجنحة مؤثرة داخل الدولة، ولا سيما التناقضات بين وزير الخارجية هاكان فيدان ودائرة بلال أردوغان.
ويرى الكاتب أن هذه المؤشرات تعكس قلقًا بنيويًا داخل النظام، يدفعه إلى تشديد القبضة بدل الانفتاح.
2026 : عام القضاء المسيس وتراجع مركز المعارضة
إمام أوغلو بين السجن والنسيان السياسي
يتوقع أوسلو أن يكون عام 2026 عامًا محوريًا في مسار محاكمة أكرم إمام أوغلو، ما يجعل الحياة السياسية التركية مرتبطة رمزيًا وفعليًا بما يجري داخل أسوار سجن سيليفري. إلا أن الكاتب يلاحظ، في المقابل، تراجعًا ملحوظًا في حضور إمام أوغلو داخل الخطاب المعارض، خصوصًا في وسائل الإعلام المحسوبة على حزب الشعب الجمهوري.
ويُرجع ذلك إلى الأداء السياسي الأخير لرئيس الحزب أوزغور أوزيل، الذي يبدو، وفق أوسلو، وكأنه يهيئ الأرضية لمرحلة يتم فيها تجاوز إمام أوغلو سياسيًا، لا الدفاع عنه. كما يلفت إلى خيبة أمل واضحة داخل معسكر إمام أوغلو من غياب دعم أوروبي فعّال، وهو ما زاد من عزلته السياسية.
الإعلام المعارض والتحول الوظيفي
يتوقف أوسلو عند التحولات التي شهدها الإعلام المعارض، معتبرًا أن التغييرات في مؤسسات بارزة مثل صحيفة سوزجو، وتحوّل بعض الصحفيين المعروفين إلى ما يسميه “معارضة القصر”، مؤشر على إعادة ضبط المجال العام بما ينسجم مع متطلبات السلطة، لا مع دور الرقابة أو المحاسبة.
ويخلص إلى أن عام 2026 قد يشهد نموذجًا أكثر قسوة من الحكم، يتسم بانعدام التسويات، وتشديد غير مسبوق تجاه أي معارضة حقيقية.
الاقتصاد في ظل التوتر السياسي المستدام
ورغم إقراره بعدم تخصصه الاقتصادي، يرى أوسلو أن الواقع الاقتصادي التركي لا يمكن فصله عن المناخ السياسي. فاستمرار التوتر، وغياب الاستقرار القانوني، وتآكل الثقة بالمؤسسات، كلها عوامل تجعل أي تحسن اقتصادي هشًا ومؤقتًا، خصوصًا في بلد يتأثر اقتصاده سريعًا بالقرارات السياسية والاعتبارات الأمنية.
الإقليم كعامل ضاغط على الداخل التركي
الحرب في أوكرانيا واحتمالات التصعيد
يؤكد أوسلو أن تركيا، تاريخيًا، دولة شديدة التأثر بالتغيرات الإقليمية. وفي هذا السياق، يحذر من تصاعد محتمل في الحرب الروسية الأوكرانية، خلافًا لتوقعات التهدئة. ويشير إلى تحركات روسية لاختبار المجال الجوي التركي وقدرات حلف شمال الأطلسي، عبر استخدام الطائرات المسيّرة، في إطار استعدادات أوسع لا توحي برغبة موسكو في إنهاء الحرب.
إيران بين الاحتجاج والتدخل الخارجي
كما يرى أن إيران مرشحة لاضطرابات داخلية واسعة، تشمل احتجاجات اجتماعية وتوترات عرقية، بالتوازي مع احتمالات توجيه ضربات إسرائيلية. ويشير إلى أن روسيا بدأت بالفعل بتعزيز الدفاعات الجوية الإيرانية، في مؤشر على ترابط ساحات الصراع، ولا يستبعد نقل منظومات عسكرية روسية كانت مثار جدل داخل تركيا إلى إيران.
سوريا: عقدة الاستقرار المؤجل
في الملف السوري، يصف أوسلو الوضع بأنه “حرب أعصاب” مفتوحة، خصوصًا في ظل التوتر التركي الإسرائيلي حول مكاسب الأكراد. ويرى أن استمرار هذا التوتر دون تسوية قد يقود إلى أزمة إقليمية جديدة، في وقت تتزايد فيه العمليات الإسرائيلية التي تستهدف مكونات اجتماعية مختلفة داخل سوريا، ما يجعل الحديث عن استقرار قريب أمرًا بالغ الصعوبة، مع انعكاسات مباشرة على الأمن والاقتصاد داخل تركيا.
المسألة الكردية: هشاشة السلام وتصاعد المخاطر
يركز أوسلو على أن تشدد الجناح القومي داخل الحكومة، ولا سيما حزب الحركة القومية، تجاه أكراد روجافا /سوريا، يضع سياسة “تركيا بلا إرهاب” على المحك. ويضيف أن الرسائل الأخيرة الصادرة عن زعيم حزب العمال الكردستاني المعتقل عبد الله أوجلان، والتي ربط فيها التهدئة بتطبيق تفاهمات سابقة، حملت في طياتها لغة تحذير دبلوماسية، تعكس قابلية المشهد للانفجار إذا لم تُدر العملية بحس سياسي.
غزة وتداعيات المواجهة غير المباشرة
وفيما يتعلق بغزة، يرى أوسلو أن الدور التركي في ملف الضمانات السياسية يضع أنقرة في مواجهة غير مباشرة مع إسرائيل، ما يفتح الباب أمام ضغوط سياسية واقتصادية دولية، ويجعل من عام 2026 عامًا صعبًا على صعيد التجارة والدبلوماسية.
المجتمع، الشباب، وملف المفصولين
على الصعيد المجتمعي، يتوقع الكاتب تصاعد التململ داخل صفوف الشباب، واستمرار هشاشة الثقة بين الدولة وشرائح واسعة من المجتمع. كما يسلط الضوء على ملف المفصولين بقرارات الطوارئ، معتبرًا أن تحوله إلى ورقة سياسية من قبل أحزاب مثل حزب الديمقراطية والتقدم قد يخلق ديناميات جديدة، تجمع بين التوتر والأمل في آن واحد.
القضاء كأداة إدارة للأزمات
يختتم أوسلو تحليله بالتحذير من تفاقم أزمة القضاء، معتبرًا أن الأنظمة السلطوية، كلما اقتربت من لحظات التحول، زادت اعتمادها على القضاء كوسيلة ردع. ومع احتدام الصراعات داخل السلطة نفسها، يتوقع الكاتب تصاعد وتيرة العمليات القضائية، واتساع نطاق اللاعدالة، بوصفها جزءًا من إدارة المرحلة الانتقالية غير المعلنة.
خلاصة
يرسم أمره أوسلو صورة قاتمة لتركيا في عام 2026، حيث تتقاطع الأزمات الداخلية مع الضغوط الإقليمية في مشهد شديد التعقيد. غير أنه يرى، في الوقت ذاته، أن بلوغ الأزمات ذروتها قد يكون شرطًا تاريخيًا لبداية التحول.

