شُيِّع جثمان الحاج مصطفى سعيد تُرك، رجل الأعمال والمحسن المعروف، إلى مثواه الأخير في قريته “أقجا بينار” بولاية مانيسا، وسط حضور عدد من أقاربه وأصدقائه وسكان قريته، الذين ودّعوه بقلوب يعتصرها الألم.
تُوفِّي تُرك عن عمر يناهز 88 عامًا بعد معاناة طويلة مع المرض، زادتها قسوة ظروف اعتقاله وسجنه رغم تقدّمه في السن ووضعه الصحي المتدهور، وذلك لمجرد انتمائه إلى حركة الخدمة.
توقيف رغم المرض.. رحلة معاناة داخل السجن
كان مصطفى سعيد تُرك واحدًا من الشخصيات التي تعرّضت لمحاكمات على خلفية انتمائه المزعوم إلى “حركة كولن”، حيث صدر بحقه حكم بالسجن لمدة عشر سنوات. ورغم حالته الصحية الحرجة، لم يُقبل طلبه بتأجيل تنفيذ الحكم، ليتم اعتقاله في 31 يوليو 2023 بينما كان طريح الفراش. وقد جرى توقيفه عبر فريق طبي تابع لخدمات الطوارئ “112”، ونُقل على سرير الإسعاف إلى سجن “مانيسا تي” شديد الحراسة.
لكن وضعه الصحي تدهور سريعًا داخل السجن، ما استدعى نقله إلى المستشفى، حيث خضع لتقييم طبي من قِبَل لجنة مكوّنة من ثمانية أطباء انتهت إلى إصدار تقريرٍ يفيد بأنه “يمكنه البقاء في السجن”، ليتم نقله إلى سجن “منمن ” المخصص للحالات المرضية، على الرغم من وضعه الحرج ومعاناته من أمراض متعددة.
التدهور الصحي والانتقادات الحقوقية
أمضى تُرك شهرًا كاملًا بين السجن والمستشفيات واللجان الطبية، حيث تعرّض لأزمات صحية متكررة شملت نوبتي نزيف دماغي، وأزمة قلبية، إضافةً إلى إصابته بالفشل القلبي والالتهاب الرئوي داخل السجن. وبالرغم من حاجته الدائمة إلى العناية الطبية، لم يُمنح تأجيلًا للعقوبة حتى بعد فقدانه حوالي 20 كيلوغرامًا خلال ثلاثة أسابيع فقط، ما أثار استنكارًا واسعًا في الأوساط الحقوقية والسياسية.
التقارير الطبية الصادرة عن مستشفى حكومي بمانيسا أكدت أنه “غير قادر على إدارة شؤون حياته بنفسه”، لكن في الوقت نفسه رأت أنه لا حاجة لتأجيل تنفيذ عقوبته، وأنه يمكنه البقاء في السجن ضمن “المؤسسات العقابية المخصصة للمرضى”.
إطلاق سراح متأخر بعد ضغط الرأي العام
نتيجةً للغضب الشعبي والانتقادات المتزايدة، اضطرت السلطات إلى الإفراج عن تُرك بعد 24 يومًا قضاها في الاعتقال وسط معاناة صحية قاسية، ليُنقل على سرير الإسعاف من السجن إلى منزله، تمامًا كما اعتُقل.
لكن ذلك لم يكن نهاية معاناته، فقد طلبت السلطات أن يخضع لفحص طبي جديد في إسطنبول لتقييم حالته، رغم عدم قدرته على السفر. وبعد فترة قصيرة من الإفراج عنه، أُصيب بجلطة دماغية حوّلته إلى طريح الفراش، ليفارق الحياة لاحقًا بعد صراع مرير مع المرض والظروف القاسية.
الخلفية القضائية للتهم الموجهة إليه
الاتهامات التي وُجهت لمصطفى سعيد تُرك استندت إلى أنشطة ذات طابع خيري وتعليمي، حيث شملت قائمة الأدلة ضده:
- ظهوره في مقابلة تلفزيونية عام 2014.
- امتلاكه حسابًا في بنك “آسيا” التابع لحركة الخدمة قبل إغلاقه وتحويل مبالغ مالية لصالح تعليم حفيده.
- مكالمات هاتفية مع أشخاص قيد التحقيق، من بينهم نجله.
- معرفته بفتح الله كولن منذ عام 1966، وزيارته له في الولايات المتحدة عام 2002.
- اشتراكه في صحيفة “زمان” ومجلة “سيزينتي”.
- حضوره لقاءات دينية وتقديم تبرعات للمجال التعليمي.
مواقف سياسية وفنية منددة باعتقاله
لاقى اعتقال تُرك استنكارًا واسعًا، حيث انتقد العديد من الشخصيات السياسية والثقافية قرار توقيفه في ظل حالته الصحية المتدهورة. كان من بين أبرز المنددين بولنت آرينتش، رئيس البرلمان التركي الأسبق، الذي قال: “أعرفه منذ 40 عامًا، إنه رجل خير وداعم للتعليم”، ومصطفى ينر أوغلو من حزب الديمقراطية والتقدم، وسماء سيلكين أون من حزب المستقبل، والفنانة نازان شوراي، التي عبرت عن استيائها من اعتقال رجل طاعن في السن بهذه الطريقة.
أما نجله الدكتور سليمان تُرك، فقد تساءل بمرارة: “هل من شخص عادل بين 80 مليونًا ليقول: كفى؟ هل هناك إنسان لديه ضمير يوقف هذا الظلم؟”.
رحيل في ظل جدل لم ينتهِ
بعد رحلة طويلة من العطاء والعمل الخيري، انتهت حياة مصطفى سعيد تُرك في مسقط رأسه، حيث وُري الثرى بعيدًا عن الضجيج السياسي، لكن قضيته لا تزال تُذكّر بالجدل المستمر حول معايير العدالة والإنسانية في التعامل مع المعتقلين المرضى وكبار السن في تركيا.

