في تطور لافت على الساحة الإقليمية، شكر وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، يوم الإثنين نظيره الأذربيجاني زاكير حسنوف، على الدور الذي لعبته باكو في الوساطة بين إسرائيل وتركيا لتنسيق الجهود العسكرية والدبلوماسية في سوريا، حسبما أفادت وسائل إعلام إسرائيلية.
وجاءت تصريحات كاتس خلال زيارته إلى العاصمة الأذربيجانية، بعد أيام من محادثات رفيعة المستوى بين مسؤولين عسكريين إسرائيليين وأتراك جرت في باكو، بهدف إنشاء آلية “تفادي صدام” (deconfliction) في سوريا، في ظل تصاعد التوتر والمخاوف من اندلاع مواجهات مباشرة بين الطرفين في الساحة السورية المضطربة.
سوريا بعد الأسد: ساحة لتوازنات جديدة
تزايدت وتيرة العمليات الإسرائيلية ونشاط القوات التركية في سوريا منذ ديسمبر 2024، تاريخ سقوط نظام بشار الأسد على يد تحالف من قوى المعارضة المدعومة من أنقرة، وتشكيل حكومة انتقالية جديدة بقيادة أحمد الشرع.
ورغم نفي إسرائيل لأي اتصال مباشر مع الحكومة السورية الجديدة، إلا أن تقارير عديدة تحدثت عن تواصل غير مباشر بوساطة أطراف إقليمية، وعلى رأسها أذربيجان، التي باتت تلعب دورًا متناميًا في صياغة التفاهمات الأمنية الجديدة في المنطقة.
لقاءات أمنية في باكو وتأكيد على الحياد
أفادت مصادر إسرائيلية بأن رئيس هيئة العمليات في الجيش الإسرائيلي، الجنرال عوديد باسيوق، سافر إلى باكو للقاء مسؤولين عسكريين أتراك، ما يؤكد دور العاصمة الأذربيجانية كمنصة محايدة للحوار، وسط تصاعد التوترات واحتمالات المواجهة غير المقصودة.
وقد أعرب كاتس خلال زيارته عن تقديره للدور الأذربيجاني، مشيرًا أيضًا إلى دعم باكو المتواصل لإسرائيل منذ هجمات السابع من أكتوبر التي شنتها حركة حماس، وما تلاها من عملية عسكرية إسرائيلية موسعة في قطاع غزة، أثارت اتهامات دولية لإسرائيل بارتكاب جرائم إبادة جماعية.
رسائل رمزية ودلالات استراتيجية
لم يقتصر شكر كاتس لأذربيجان على المجال العسكري، بل أشار إلى ما وصفه بـ”رسالة تضامن رمزية” تمثلت في منح أذربيجان أعلى درجات التصويت لإسرائيل في مسابقة الأغنية الأوروبية “يوروفيجن 2025“.
وتأتي هذه الإشادة ضمن سياق استراتيجي أوسع، إذ تعتبر إسرائيل أذربيجان شريكًا أمنيًا مهمًا، بالنظر إلى قربها الجغرافي من إيران والعلاقات الاستخباراتية الوثيقة بين الجانبين، والتي تشمل تقارير عن تعاون في عمليات رصد ومراقبة.
منع الصدام: خلفية حادثة جوية تثير القلق
المحادثات الجارية بين أنقرة وتل أبيب عبر باكو جاءت في أعقاب تقارير عن مواجهة غير مباشرة بين طائرات حربية إسرائيلية وتركية فوق الأجواء السورية، قرب مدينة تدمر، حيث يُعتقد أن المقاتلات التركية استخدمت تقنيات إلكترونية لتحذير الطائرات الإسرائيلية أثناء تنفيذ غارات.
هذا الحادث دفع الطرفين إلى عقد جولة ثانية من محادثات “تفادي الصدام”، يُتوقع انعقادها مرة أخرى في العاصمة الأذربيجانية خلال الشهر الجاري، في مسعى للحد من خطر التصعيد غير المقصود في ساحة تتقاطع فيها مصالح متعارضة بشدة.
رؤى متضاربة في الملف السوري
تكشف التطورات عن تباين واضح في الرؤى التركية والإسرائيلية تجاه مستقبل سوريا، فإسرائيل تسعى إلى الإبقاء على سوريا ضعيفة ومجزأة، بهدف منع نشوء تهديد عسكري مستقبلي، بينما تدفع تركيا نحو إقامة دولة مركزية قوية، قادرة على ضبط الحدود وتهيئة الظروف لعودة ملايين اللاجئين السوريين.
وتدعم أنقرة بعض الفصائل داخل الحكومة السورية الجديدة التي لا تتفق مع أولويات إسرائيل الأمنية، بما في ذلك جماعات إسلامية تعتبرها تل أبيب متطرفة.
خطاب مزدوج: بين العداء العلني والتنسيق الهادئ
رغم الخطاب العنيف الذي يتبناه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تجاه إسرائيل، والذي وصل إلى حد الدعاء علنًا بزوالها، إلا أن السياسة التركية تشهد تحولًا ملحوظًا نحو البراغماتية في التعاطي الدبلوماسي.
فقد صرّح وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، بأن الهدف من المحادثات الجارية في باكو هو “منع الحوادث غير المرغوب فيها” عبر تنسيق أمني مباشر مع الجانب الإسرائيلي، في لهجة أقل تصادمية.

