أعاد وثائقي «الأطفال الآخرون» إحياء النقاش حول الثمن الإنساني الباهظ الذي دفعه آلاف الأطفال في تركيا خلال حملة الملاحقات الواسعة التي تلت محاولة الانقلاب في يوليو 2016. فالفيلم، الذي عُرض حديثاً على منصة يوتيوب، يقدّم روايات مباشرة لأطفال عاشوا الخوف والحرمان والنزوح، وتحوّلت طفولتهم إلى مساحة للقلق واليتم الاجتماعي والنفسي، بعدما وجد آباؤهم أنفسهم بين الاعتقال والملاحقة أو الهروب خارج البلاد.
اضطهاد ممتد: جذور الأزمة وسياق ما بعد 2016
تعود جذور الأزمة إلى الصدام الذي تفجّر عقب تحقيقات الفساد في نهاية 2013، حين بدأ استهداف المنتمين إلى حركة كولن. تصاعدت حدّة المواجهة إلى أن وصفت الحكومة الحركة بأنها «تنظيم إرهابي» في ربيع 2016، ليتحوّل هذا الوصف إلى أداة قانونية تبرّر واحدة من أوسع حملات التطهير في تاريخ الجمهورية الحديثة بعد فشل محاولة الانقلاب.
ومع إعلان حالة الطوارئ التي استمرت حتى صيف 2018، اتخذت السلطات سلسلة قرارات فصل جماعية طالت عشرات الآلاف من الموظفين، من القضاة إلى العاملين في القطاعات العسكرية والتعليمية. لم تقتصر العقوبات على فقدان الوظيفة، بل شملت منع السفر ومنع العودة إلى العمل العام، ما دفع آلاف العائلات إلى الهجرة غير الآمنة أو العيش مختبئة داخل البلاد.
وجوه المأساة: أطفال تحمّلوا آثار الاعتقال والمطاردة
يكشف الوثائقي جانباً مظلماً من هذه الحقبة عبر شهادات حيّة لأطفال عاشوا سنواتهم التكوينية تحت ضغط الملاحقة الأمنية.
أطفال فقدوا آباءهم خلف القضبان
يروي أحد الأطفال كيف اضطر والده للاختباء لسنوات، بينما سجنت والدته لأشهر، ما تركه في مواجهة فراغ أسري خانق. ويحكي آخر عن صدمته حين سمع أن والدته قد تمكث في السجن عقداً كاملاً، وهو لا يزال في التاسعة من عمره، متسائلاً عن شكل حياته حين يصل إلى سن الرشد.
العقاب الجماعي يمتد إلى الحدود
يضم الفيلم شهادات لعدد من الأطفال الذين عبروا نهر إيفروس صوب اليونان مع أسرهم، بعد أن ألغيت جوازات سفرهم خلال حالة الطوارئ. وتأتي بعض الشهادات على لسان أطفال قالوا إن الهروب كان «الخيار الوحيد» لتفادي الاعتقال أو التعذيب، في ظل خوف عائلاتهم من ملاحقات مطوّلة وغير متوقعة.
تكاليف إنسانية قاسية: وفيات وحرمان وعجز طبي
يقدّم الوثائقي حصيلة مؤلمة للضحايا الأطفال خلال هذه الفترة. فقد توفّي العشرات، بينهم رضع، إمّا خلال محاولات الفرار أو بسبب ظروف صحية لم تُعالج في الوقت المناسب. كما أمضى آلاف الأطفال سنوات من طفولتهم داخل السجون برفقة أمهاتهم، بينما وجد آخرون أنفسهم مشتتين بين بلدان ولجوء وظروف غير مستقرة.
قصص مأساوية لا تُنسى
يتناول الفيلم ثلاث حالات بارزة:
- بتول جيفليكالتي لقيت مصرعها في حادث مروري أثناء عودتها من زيارة والدها في السجن.
- أحمد برهان آتشالذي توفي بمرض السرطان بعد منعه من السفر للعلاج في الخارج.
- فرقان ديزدارالذي واجه المصير ذاته بعد تعذّر حصوله على رعاية طبية خارج تركيا.
هذه القصص، وغيرها، أصبحت رمزاً لثمن يدفعه الأبناء نتيجة قرارات لا شأن لهم بها.
الأرقام المتراكمة: اتساع دائرة التأثير
توضح البيانات الرسمية أن عشرات الآلاف أُدينوا على خلفية صلات مزعومة بالحركة، مع استمرار التحقيقات بحق آلاف آخرين حتى اليوم، رغم مرور ما يقرب عقد على المحاولة الانقلابية. كما تشير تقديرات حقوقية إلى أن آلاف الأطفال تأثروا مباشرة بظروف السجن أو الهجرة القسرية أو فقدان الاستقرار الأسري.
وفي العامين الأخيرين، عادت الملفات المرتبطة بالملاحقات القضائية طويلة الأمد إلى الواجهة، مع جدل حقوقي متجدد حول استمرار منع السفر لعائلات متضررة، وعدم إغلاق التحقيقات المفتوحة منذ سنوات، وتزايد الدعوات لإعادة تقييم الأحكام الصادرة خلال فترة الطوارئ.
قراءة تحليلية: أثر يمتد عبر الأجيال
يعكس الوثائقي كيف تحولت الإجراءات العقابية الجماعية إلى أزمة اجتماعية ممتدة، لم تطل المتهمين فقط، بل امتدت إلى أبنائهم الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة أعباء غير متناسبة مع أعمارهم.
وتشير الشهادات الواردة إلى أن كثيراً من الأطفال يعانون اليوم صدمات نفسية طويلة الأمد، وانقطاعاً تعليمياً، وشعوراً مستمراً بالعزلة الاجتماعية، في ظل غياب سياسات رسمية تعالج تراكمات هذه المرحلة.

