بقلم: سليم نيازي أوغلو
في خضم المواجهة العسكرية المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران، كشف الخطاب الأخير للرئيس الأميركي دونالد ترامب عن مزيج من التقدم الميداني المعلن والارتباك السياسي الكامن. إذ تحدث عن اقتراب العمليات “من تحقيق أهدافها”، لكنه في المقابل لوّح بمواصلة الضربات “العنيفة والمتتابعة”، ما يعكس ازدواجية بين إعلان نهاية قريبة واستعداد لمزيد من الانخراط العسكري.
تباين بين الأهداف والنتائج
العمليات الأميركية، التي قُدمت رسميًا باعتبارها ردعًا لمنع إيران من امتلاك السلاح النووي، لم تُحدث تحولًا حاسمًا في المعادلة الميدانية. فالمرافق النووية الإيرانية لم تُدمّر كليًا، والقدرات الصاروخية لطهران لا تزال فعالة، فيما لم تُظهر القيادة الإيرانية أي استعداد لتقديم تنازلات ملموسة. هذا التباين يطرح شكوكًا حول مدى تحقق الأهداف الاستراتيجية المعلنة.
من الردع إلى الاستنزاف
يتضح في خطاب ترامب نزوع نحو توسيع بنك الأهداف من المنشآت العسكرية إلى البنى التحتية للطاقة، مصحوبًا بتهديدات بإعادة إيران إلى “العصر الحجري”. ويشير ذلك إلى تحول من منطق الردع المحدود إلى سياسة “الضغط الشامل”، بما قد يؤدي إلى استنزاف طويل الأمد تتجاوز آثاره حدود إيران لتطال أمن الطاقة العالمي.
مضيق هرمز تحت المجهر
يشكل إغلاق إيران لمضيق هرمز نقطة تحول رئيسية في الأزمة؛ فمرور نحو 20% من النفط العالمي عبره يجعل منه رئةً حيوية للاقتصاد الدولي. أدت الأحداث إلى ارتفاع أسعار النفط فوق 105 دولارات للبرميل، وعودة المخاوف من تضخم عالمي جديد. الموقف الأميركي الداعي الدول الأخرى لتحمل مسؤولية تأمين الملاحة عُدّ مؤشرًا على تراجع الدور الأميركي التقليدي كـ”ضامن دولي” لأمن الإمدادات.
وقد تشهد الأيام المقبلة تقدم فرنسا إلى الواجهة مثلما كان في بداية الأزمة الليبية قبل أكثر من عقد، حيث أوضح قائد البحرية الفرنسية، الأميرال نيكولا فوجور، أن التدخل العسكري قد يصبح ضروريًا في نهاية المطاف لضمان إعادة فتح مضيق هرمز، في وقت تستعد فيه 36 دولة لعقد اجتماع عاجل لوضع خطة لإعادة تشغيل هذا الممر الحيوي للملاحة البحرية.
الحلفاء بين الثقة والقلق
رغم تأكيد واشنطن التزامها بأمن دول الخليج، برزت ملامح قلق لدى هذه الدول بسبب الخطاب المتقلب للإدارة الأميركية. فالتأكيد على “عدم التخلي عن الحلفاء” تزامن مع دعوات ضمنية لهم للاعتماد على قدراتهم الذاتية في حماية طرق الطاقة، رغم استمرار الهجمات الإيرانية ضدهم، ما أضعف الثقة بالقيادة الأميركية.
تصعيد ميداني متعدد الأطراف
المشهد الإقليمي اتسع ليشمل مواجهات في أكثر من ساحة: ضربات إيرانية بطائرات مسيّرة وصواريخ على دول خليجية وإسرائيل، وردود إسرائيلية داخل العمق الإيراني، وامتداد المواجهة إلى لبنان مع خسائر بشرية متزايدة. هذه التطورات تضع المنطقة أمام احتمال تصعيد واسع يصعب احتواؤه.
غموض في المسار الدبلوماسي
على المستوى السياسي، تتضارب الروايات حول المفاوضات. فبينما أعلن ترامب أن طهران طلبت وقف إطلاق النار، نفت إيران أي تواصل مباشر وأكدت اقتصار المحادثات على وسطاء. كما اشترطت القيادة الإيرانية ضمانات وتعويضات للحديث عن تسوية، ما يجعل سيناريو الحل السياسي بعيدًا في المدى القصير.
تداعيات اقتصادية عالمية
الانعكاسات الاقتصادية خرجت سريعًا عن الإطار الإقليمي. ارتفاع أسعار الطاقة وتراجع ثقة الأسواق أثارا مخاوف من ركود تضخمي عالمي، مع تحذيرات من تأثيرات تمتد إلى سلاسل التوريد والأمن الغذائي، لتتحول الأزمة من نزاع محلي إلى عامل اضطراب في النظام الاقتصادي الدولي.
أزمة داخلية في واشنطن
أظهرت استطلاعات الرأي داخل الولايات المتحدة تراجع الثقة في أداء الإدارة الأميركية، إذ يرى أكثر من نصف الأميركيين غياب استراتيجية واضحة. هذا التراجع في الدعم الشعبي يعمّق مأزق الرئيس بين تصعيد خارجي مفتوح وضغوط داخلية متزايدة.
بين الردع والضبابية
تبدو السياسة الأميركية الراهنة امتدادًا لنمط تاريخي قائم على خوض حروب مفتوحة النهايات دون تصور واضح لمراحل الخروج، كما شهد العالم في فيتنام وأفغانستان والعراق. في الحالة الإيرانية، يتكرر المشهد ذاته: تصعيد بلا حسم، وردع بلا استراتيجية استقرار.
ملخص القول إن التطورات تكشف أن المواجهة الراهنة تجاوزت الأهداف العسكرية المحددة لتتحول إلى اختبار شامل لموازين القوى في الشرق الأوسط. ومع غياب رؤية متماسكة للحل، تبقى احتمالات التوسع الإقليمي والارتداد الاقتصادي العالمي مفتوحة على مصير غير محسوم.

