تتوالى المعطيات التي تكشف أن العملية العسكرية الأميركية التي انتهت بالقبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو لم تكن خطوة مفاجئة، بل جاءت بعد مسار تفاوضي سري انتهى بالفشل. فقبل أيام من التدخل العسكري، تلقى مادورو عرضًا مباشرًا بالتخلي عن السلطة مقابل خروج آمن من البلاد، مع طرح تركيا بوصفها وجهة محتملة للمنفى السياسي، إلا أن العرض قوبل بالرفض.
تأكيد أميركي رسمي لرواية المنفى المرفوض
أعلن السيناتور الأميركي ليندسي غراهام، في تصريحات أدلى بها على متن طائرة الرئاسة الأميركية إلى جانب الرئيس دونالد ترامب، أن مادورو كان بإمكانه أن يكون في تركيا بدلًا من الوقوف اليوم أمام القضاء الأميركي في نيويورك. وأكد أن واشنطن فتحت له باب الخروج، لكنه اختار التحدي، ما قاد إلى تنفيذ العملية العسكرية واعتقاله.
غراهام حمّل مادورو كامل المسؤولية، معتبرًا أن الرئيس الأميركي منحه فرصة أخيرة لتجنب المواجهة، إلا أن قراره بالمواجهة قاده إلى السجن، في إشارة واضحة إلى أن التدخل لم يكن الخيار الأول.
مفاوضات خلف الكواليس وإنذار أخير
تفاصيل هذا العرض كانت قد تبلورت في مفاوضات غير معلنة شارك فيها مسؤولون أميركيون وفنزويليون. وبحسب المعطيات المتداولة، قُدّم لمادورو إنذار نهائي قبل أيام من عيد الميلاد، يقضي بتسليم السلطة وقبول منفى مضمون، مقابل وقف أي تحرك عسكري. ومع رفض العرض، صدرت الأوامر بتنفيذ العملية بعد أيام قليلة.
قبل ذلك بأسابيع، كانت تركيا قد طُرحت في الأوساط الدبلوماسية كخيار واقعي لمنفى محتمل، في ظل تصاعد الحشود العسكرية الأميركية في منطقة الكاريبي وتضييق الخناق السياسي على كاراكاس.
عملية عسكرية واسعة النطاق
فجر الثالث من يناير، نفذت القوات الأميركية عملية خاطفة حملت اسم “العزم المطلق”، انتهت بالقبض على مادورو وزوجته سيليا فلوريس. العملية استمرت أكثر من ساعتين بقليل، وشاركت فيها أعداد كبيرة من الطائرات والمسيّرات انطلقت من قواعد وسفن حربية متعددة، دعمًا لقوات العمليات الخاصة على الأرض.
في اليوم ذاته، نُقل الزوجان إلى نيويورك، حيث يواجهان سلسلة من التهم الثقيلة، تشمل التآمر في قضايا تتعلق بالإرهاب المرتبط بالمخدرات، وتهريب الكوكايين، وحيازة أسلحة محظورة يُزعم أنها كانت موجهة ضد مصالح أميركية.
الموقف التركي: صمت محسوب وتوازن دبلوماسي
رغم العلاقات الوثيقة التي ربطت أنقرة بكاراكاس على مدى سنوات، جاء الرد التركي هادئًا ومقتضبًا. وزارة الخارجية التركية اكتفت بالإعلان عن متابعة التطورات عن كثب، مؤكدة أهمية استقرار فنزويلا وسلامة شعبها، وداعية جميع الأطراف إلى ضبط النفس تفاديًا لتداعيات إقليمية ودولية.
البيان الرسمي شدد على استعداد تركيا للإسهام بأي جهد بنّاء لحل الأزمة ضمن إطار القانون الدولي، مع الإشارة إلى استمرار التواصل بين السفارة التركية في كاراكاس والمواطنين الأتراك هناك. اللافت أن البيان خلا من أي إدانة مباشرة للعملية الأميركية أو مطالبة بإطلاق سراح مادورو، كما التزم الرئيس رجب طيب أردوغان الصمت، رغم وصفه السابق لمادورو بـ”الأخ” وإعلانه التضامن معه في محطات سابقة.
انقسام دولي حاد
أثارت العملية الأميركية ردود فعل دولية متباينة. موسكو اعتبرتها عدوانًا مسلحًا وطالبت بالإفراج الفوري عن مادورو، فيما أعربت بكين عن صدمتها وأدانت ما وصفته بسلوك هيمني ينتهك القانون الدولي. الأمين العام للأمم المتحدة حذّر من سابقة خطيرة قد تعيد تعريف قواعد التدخل الدولي.
في المقابل، رأت بعض الدول في إزاحة مادورو فرصة لإعادة فتح أفق سياسي جديد في فنزويلا، فيما عبّرت حكومات أخرى عن قلق بالغ ودعت إلى تسوية سلمية وفق ميثاق الأمم المتحدة.
خلفية أزمة ممتدة
يأتي هذا التطور في سياق أزمة سياسية واقتصادية خانقة تعيشها فنزويلا منذ سنوات، تفاقمت بعد انتخابات مثيرة للجدل رفضتها قوى معارضة ودول غربية، وتسببت بانهيار اقتصادي واسع ونزوح ملايين المواطنين. وكانت الولايات المتحدة قد وجهت لمادورو اتهامات جنائية منذ سنوات، تتعلق بشبكات تهريب مخدرات وتحالفات مع جماعات مسلحة، وهي اتهامات دأب على نفيها.
في أعقاب اعتقاله، كلفت المحكمة العليا الفنزويلية نائبة الرئيس ديلسي رودريغيز بتولي مهام الرئاسة مؤقتًا، بينما أعلن ترامب أن بلاده ستتولى إدارة المرحلة الانتقالية دون الخوض في تفاصيل.
ومن المنتظر أن يمثل مادورو وزوجته أمام محكمة فدرالية في مانهاتن، إيذانًا ببدء مسار قضائي قد يكون من أكثر القضايا السياسية تعقيدًا في السنوات الأخيرة.
الخلاصة
تكشف عملية اعتقال مادورو أنها لم تكن ضربة مفاجئة، بل نتيجة رفض عرض منفى كان يمكن أن يغيّر مسار الأحداث. وبين صمت أنقرة وانقسام العالم، تدخل فنزويلا مرحلة غامضة عنوانها إعادة تشكيل السلطة تحت ضغط دولي غير مسبوق.

