تتجه الأنظار إلى العاصمة الأميركية واشنطن حيث يشارك وزير الخارجية التركي هاكان فيدان في الاجتماع الافتتاحي لما يُعرف بـ«مجلس السلام» في غزة، المبادرة التي أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وذلك بصفته ممثلًا للرئيس التركي رجب طيب أردوغان.
وتأتي هذه المشاركة في سياق تحركات دولية تسعى إلى تثبيت وقف إطلاق النار الهش في غزة، الذي تم التوصل إليه في أكتوبر الماضي بين إسرائيل وحركة حماس، وسط تبادل مستمر للاتهامات بخرق بنود الهدنة.
من إعادة الإعمار إلى إطار أوسع للوساطة الدولية
رغم أن فكرة المجلس طُرحت بدايةً لمتابعة جهود إعادة إعمار غزة، فإن ميثاقه لا يحصر نشاطه في الأراضي الفلسطينية المحتلة. بل ينص على أن المجلس سيعمل على تعزيز الاستقرار، واستعادة الحوكمة، وترسيخ سلام دائم في المناطق المتأثرة بالنزاعات أو المهددة بها، على أن يتم ذلك وفقًا لقواعد القانون الدولي.
وتُعد تركيا من الأعضاء المؤسسين للمجلس، كما أنها ممثلة في «المجلس التنفيذي لغزة»، ما يمنحها حضورًا مزدوجًا في مسارَي التهدئة وإعادة الإعمار.
رسالة أنقرة: دعم الحل السياسي ووقف الانتهاكات
مصادر دبلوماسية أشارت إلى أن فيدان سيؤكد في كلمته ضرورة مواصلة الجهود الرامية إلى حل القضية الفلسطينية بصورة شاملة، مع تجديد التزام أنقرة بدعم المبادرات الدولية التي تستهدف تحقيق هذا الهدف.
كما يُنتظر أن يدعو إلى وضع حد لما تصفه أنقرة بانتهاكات إسرائيل لوقف إطلاق النار، وإلى إزالة العراقيل التي تعيق إيصال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة بصورة منتظمة وكافية. وتؤكد تركيا في مواقفها الرسمية أهمية ضمان تدفق المساعدات دون انقطاع، في ظل استمرار الأزمة الإنسانية في القطاع.
تثبيت خيار «حل الدولتين» واستمرار الدعم الإنساني
من المرتقب أن يجدد وزير الخارجية التركي تمسك بلاده بحل الدولتين باعتباره الإطار السياسي الأكثر واقعية لإنهاء الصراع، في وقت تتزايد فيه الشكوك حول فرص استئناف عملية سياسية شاملة في المدى القريب.
وتؤكد أنقرة استعدادها لمواصلة تقديم المساعدات الإنسانية لغزة، فضلًا عن استعدادها للمساهمة في جهود إعادة الإعمار عند تهيئة الظروف الملائمة، وهو موقف كررته في مناسبات دولية سابقة.
من دافوس إلى واشنطن: مسار انخراط تركي مبكر
كان فيدان قد وقّع على ميثاق «مجلس السلام» في الثاني والعشرين من يناير بمدينة دافوس السويسرية، خلال مشاركته في اجتماعات دولية هناك، نيابة عن الرئيس أردوغان، ما يعكس انخراطًا تركيًا مبكرًا في صياغة الإطار المؤسسي للمبادرة.
ويأتي الاجتماع التأسيسي في واشنطن ليترجم هذا الانخراط إلى حضور فعلي في رسم توجهات المجلس، في ظل استمرار التوترات الميدانية والاتهامات المتبادلة بين إسرائيل وحركة حماس بشأن خروقات الهدنة.
سياق إقليمي متحرك وضغوط دولية متزايدة
تنعقد هذه الاجتماعات بينما لا تزال الهدنة في غزة توصف بالهشة، مع تصاعد التحذيرات الدولية من تدهور إنساني جديد إذا لم تُثبَّت ترتيبات وقف إطلاق النار وتُفتح قنوات الإغاثة بشكل دائم. كما تتقاطع هذه الجهود مع تحركات دبلوماسية أوسع تقودها أطراف إقليمية ودولية لإعادة إطلاق مسار سياسي يضمن تسوية طويلة الأمد.
بالنسبة لأنقرة، يشكل هذا المسار امتدادًا لدورها الإقليمي في ملفات الوساطة وتقديم المساعدات، ومحاولة للحفاظ على موقع فاعل في أي ترتيبات مستقبلية تخص غزة أو الإطار الأشمل للقضية الفلسطينية.
خلاصة
مشاركة تركيا في الاجتماع التأسيسي لـ«مجلس السلام» تعكس سعيها لترسيخ حضورها في جهود تثبيت الهدنة وإعادة إعمار غزة ضمن إطار دولي أوسع. وتؤكد أنقرة عبر هذه الخطوة تمسكها بحل الدولتين واستعدادها للاستمرار في الدعم الإنساني والمساهمة في الاستقرار الإقليمي.

