في قراءة تأويلية تتجاوز حدود النقد الأدبي التقليدي، يقدّم الكاتب والباحث الأكاديمي التركي أيدوغان وطنداش معالجة فكرية معمّقة لقصيدة «المنازل» للشاعر التركي الراحل جاهد ظريف أوغلو، واضعًا النص في قلب سؤال فلسفي مركزي: هل المعنى كامن في النص ذاته، أم يتشكّل في الوعي الذي يتلقّاه؟
قصيدة «المنازل»
كلمتك وطريقك هما نبعُ روحي الأول،
وفي أعماق صدري تبعث كلماتك فرحًا لا يُحتمل.
حتى مجرّدُ التفكير في الجبال التي وقعت عليها عيناك يُغرقني بالبكاء.
أكون حرًّا حين أنقاد لأوامرك واحدًا واحدًا، يا سلطاني.
حبّك رأسٌ هائل، ذو ألف عين،
محادثتك تُوقِظ كلَّ واحدةٍ منها من نومها.
تمهّلْ يا ظريف، بلا تدبيرٍ فتحتَ أبوابَ كلامٍ كثير،
أيُّ جرأةٍ هذه التي أقدمتَ عليها بهذا العقل المنكسر؟
ينطلق وطنداش من فرضية أساسية مفادها أن النص الأدبي لا يكشف عن نفسه دفعة واحدة، بل يتفتح بقدر ما يمتلك القارئ من استعداد معرفي ووجودي، وأن القصيدة الواحدة قد تُقرأ بوصفها خطابًا عاطفيًا بشريًا، أو بوصفها تعبيرًا أنطولوجيًا عن علاقة الكائن بمصدر الوجود.
القراءة السطحية: قصيدة حب إنساني
المعنى كما يظهر للوعي العادي
وفق القراءة الأولى، تبدو القصيدة خطاب عشق موجّه إلى محبوب بشري. المتكلم فيها يعلن ذوبانه الكامل في الآخر، حيث تتحوّل كلمات الحبيب وطريقته في الوجود إلى مصدر حياة روحية. مجرد التفكير فيما ينظر إليه المحبوب، حتى الجبال التي تقع عليها عيناه، يكفي لإغراق الشاعر في البكاء.
في هذا المستوى من الوعي، يُفهم البكاء بوصفه فيضًا عاطفيًا، والعبودية بوصفها ذروة الحب، والطاعة باعتبارها شكلًا من أشكال التحرر الوجداني. العشق هنا يتجاوز العقل، ويصل إلى درجة الجرأة التي تكاد تكسر منطق التفكير المألوف.
غير أن هذه القراءة، بحسب وطنداش، لا تمثل إلا الطبقة الأولى من المعنى.
رفع مستوى الإدراك: القصيدة في سياقها الروحي
حين يتبدّل المخاطَب ويتحوّل المعنى
ما إن يُعاد النص إلى سياقه الفكري والروحي حتى ينفتح أفق مختلف كليًا. فالشاعر جاهد ظريف أوغلو ليس شاعر غزل تقليدي، بل نتاج بيئة دينية ذات حساسية صوفية عميقة، تشكّل فيها الوعي الشعري ضمن أسئلة الإيمان، والمعنى، والوجود.
هنا، تصبح القصيدة خطابًا موجّهًا لا إلى إنسان، بل إلى المطلق. ويغدو عنوانها «المنازل» مفتاحًا تأويليًا أساسيًا، إذ يشير في الاصطلاح الصوفي إلى مقامات الروح أثناء سيرها نحو الحقيقة، حيث يتوقف السالك، ويتحوّل، ويتعمّق إدراكه في كل محطة.
«الكلمة» و«الطريق»: ذاكرة ما قبل الزمن
المعنى الأنطولوجي للخطاب الإلهي
يركّز وطنداش على مفهوم «الكلمة» الوارد في القصيدة، معتبرًا أنه لا يُفهم لغويًا أو مجازيًا فحسب، بل أنطولوجيًا. فالكلمة هنا تحيل إلى الخطاب الإلهي الأزلي الذي توجّه إلى الإنسان قبل دخوله عالم الجسد والتاريخ.
في هذا السياق، لا يكون الحب تعبيرًا نفسيًا، بل استجابة وجودية لنداء سابق على الزمن. إنّه تذكّر لا اكتساب، وعودة لا بداية. وتتحوّل الشهادة الأولى التي أُخذت من الإنسان إلى أساس العلاقة بين الوعي والمطلق.
هذا الخطاب لا يُدرك ضمن تسلسل زمني، بل يُستعاد بوصفه لحظة وجودية دائمة الحضور في عمق الوعي الإنساني.
الجبل والبكاء: حدود الإدراك
الرمز القرآني بوصفه مفتاحًا شعريًا
عندما يتحدث الشاعر عن البكاء لمجرد التفكير في الجبال التي يقع عليها نظر المخاطَب، لا يكون الجبل عنصرًا طبيعيًا، بل رمزًا لحدود الإدراك البشري. فالتجلّي الإلهي، حين واجه الجبل في التجربة النبوية (موسى عليه السلام)، أدّى إلى تفككه، في إشارة إلى عجز الكائن عن تحمّل الحقيقة المطلقة.
وعليه، فإن البكاء ليس انفعالًا، بل وعيًا بالحدود، وارتعاشًا أمام اتساع المعنى.
الطاعة والحرية: تفكيك مركز الأنا
التحرر عبر الانقياد لا عبر السيطرة
يفسّر وطنداش عبارة «أتحرر حين أنقاد لأوامرك» بوصفها قلبًا جذريًا لمفهوم الحرية الحديث. فالحرية، في المنظور الصوفي، لا تتحقق بتكريس الأنا، بل بتفكيكها. وما دام الوعي محاصرًا بالخوف والمصلحة والهوية المغلقة، فإنه يظل أسيرًا، حتى وإن ظنّ نفسه حرًا.
الطاعة هنا ليست خضوعًا، بل انعتاق من مركزية الذات.
العشق بوصفه جهاز إدراك
من عمى الحب الإنساني إلى بصيرة الحب الإلهي
يشير وطنداش إلى المفارقة التي يطرحها الشاعر: الحب البشري يوصف تقليديًا بالعمى، بينما الحب الإلهي يُنتج وعيًا متعدد العيون. إنّه عشق لا يحجب، بل يكشف، ولا يختزل العالم في صورة واحدة، بل يوسّع أفق الرؤية.
أما «الصُّحبة» أو «الحديث» في النص، فهي الامتداد الحي للوحي، حيث لا يُنقل المعنى عبر القراءة الصامتة، بل عبر حالة وجودية تنتقل من وعي إلى آخر.
سؤال المعنى: بين الثبات والتعدد
هل المعنى نسبي أم له نواة ثابتة؟
يصل وطنداش في تحليله إلى لبّ الإشكال الفلسفي: إذا كان النص الواحد ينفتح على قراءات متعددة، فهل يعني ذلك أن المعنى نسبي بالكامل؟
جوابه حاسم: التعدد في التلقي لا ينفي وجود نواة دلالية ثابتة. فالمعنى لا يُستنفد بالتاريخ، ولا يُلغى بتعدد القراءات، لكنه يظهر بدرجات متفاوتة تبعًا لقدرة الوعي على الاستقبال.
من هنا، تصبح الاختلافات التأويلية ظاهرة طبيعية، بل حتمية، وهو ما يفسّر نشوء مدارس واتجاهات متعددة داخل التجربة الدينية والفكرية الواحدة.
خلاصة
يرى أيدوغان وطنداش أن قصيدة «المنازل» ليست نصًا عاطفيًا عابرًا، بل خطابًا أنطولوجيًا يتشكل مع كل مستوى وعي جديد، وأن تعدد القراءات لا يلغي وجود معنى جوهري، بل يؤكد حيوية النص وقدرته على مخاطبة الإنسان في تحوّلاته الوجودية.

