قدّمت منظمة هيومن رايتس ووتش صورة قاتمة عن المسار السياسي والحقوقي في تركيا خلال عام 2025، معتبرة أن الحكومة كرّست بشكل غير مسبوق توجّهًا سلطويًا متصاعدًا، بلغ ذروته عبر حملة واسعة استهدفت حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة.
التقرير حذّر من أن هذا المسار لا يهدد الحريات السياسية فحسب، بل يقوّض أيضًا إمكانية إجراء انتخابات نزيهة وتنافسية في المرحلة المقبلة.
السلطة القضائية تحت النفوذ التنفيذي
وفق التقرير السنوي الصادر ضمن «التقرير العالمي 2026»، فإن السلطة التنفيذية تواصل بسط نفوذها على المحاكم، إلى جانب إصرارها على تجاهل أحكام ملزمة صادرة عن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان. هذا النهج، بحسب المنظمة، أدى إلى انتهاكات جسيمة، أبرزها الملاحقات الجنائية بحق صحفيين وشخصيات عامة ومستخدمين لمنصات التواصل الاجتماعي بسبب انتقادهم الحكومة أو القضاء، غالبًا تحت عناوين الإرهاب أو «نشر معلومات مضللة».
استهداف المعارضة: نقطة التحول في مارس
التقرير اعتبر توقيف ثم اعتقال رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو في التاسع عشر من مارس محطة فاصلة في المشهد السياسي. ففي اليوم ذاته، فرضت السلطات قيودًا واسعة على الإنترنت استمرت اثنتين وأربعين ساعة، ما أدى إلى تعطيل منصات التواصل الاجتماعي، كما جرى حجب حساب إمام أوغلو على منصة «إكس» داخل تركيا.
تبع ذلك تصعيد أمني شمل اعتقال مئات المحتجين، غالبيتهم من الطلاب، بتهم تتعلق بالمشاركة في تظاهرات غير مرخصة أو عدم الامتثال لأوامر التفريق.
احتجاجات وقمع وإفلات من العقاب
المنظمة وثّقت استمرار شكاوى سوء المعاملة أثناء الاحتجاز، خاصة بحق شبان أوقفوا خلال الاحتجاجات الواسعة التي أعقبت اعتقال إمام أوغلو. وأشارت إلى أن ثقافة الإفلات من العقاب لا تزال سائدة، إذ نادرًا ما يُحاسب المسؤولون عن الانتهاكات.
حملة منهجية لإضعاف حزب الشعب الجمهوري
الحملة لم تقتصر على إمام أوغلو، بل شملت محاولات لإقصاء رئيس الحزب أوزغور أوزال وقيادات أخرى، إضافة إلى توقيف رؤساء بلديات وأعضاء مجالس محلية معارضين في إسطنبول ومدن أخرى. هذه الإجراءات عززت، بحسب التقرير، المخاوف من سعي منظم لتحييد المعارضة الرئيسية في البلاد.
الصحافة والإعلام تحت الضغط
التقرير أشار إلى استمرار الضغط على الصحفيين عبر التحقيقات الجنائية والاحتجاز، موضحًا أن سبعة وعشرين صحفيًا وعاملًا في الإعلام كانوا، وقت إعداد التقرير، إما رهن التوقيف الاحتياطي أو يقضون أحكامًا بالسجن.
وسلّط الضوء على قضية الصحفي المخضرم فاتح ألطايلي، الذي يدير قناة على يوتيوب، وصدر بحقه حكم بالسجن لأكثر من أربع سنوات بتهمة اعتُبرت بلا أساس تتعلق بتهديد الرئيس. كما أشار إلى محاكمات طالت قيادات في جمعية الصناعيين ورجال الأعمال الأتراك بسبب تصريحاتهم المنتقدة لسجل حقوق الإنسان.
تنظيم الإعلام الرسمي وتقييد التعبير
هيئة الإذاعة والتلفزيون فرضت، وفق التقرير، غرامات تعسفية وقرارات إيقاف بث غير متناسبة بحق وسائل إعلام معارضة ومنصات رقمية. كما لفت إلى أن هيئة الإذاعة والتلفزيون الرسمية ووكالة الأناضول ومعظم القنوات الخاصة الكبرى باتت تصطف بوضوح إلى جانب الحكومة.
استمرار ملاحقات حركة غولن
التقرير تناول أيضًا استمرار التحقيقات والمحاكمات بحق آلاف الأشخاص على خلفية اتهامات مرتبطة بحركة كولن. وأشار إلى تصريحات رسمية تفيد باستمرار التحقيق مع عشرات الآلاف ومحاكمة الآلاف الآخرين، مع وجود أكثر من أحد عشر ألف شخص في السجون بين موقوفين ومحكومين في هذه القضايا.
الحملة تعود جذورها إلى ما بعد تحقيقات الفساد عام 2013، ثم تصاعدت بعد تصنيف الحركة كمنظمة إرهابية عام 2016، وهو توصيف ترفضه الحركة ولا تعترف به جهات دولية كبرى.
المحامون تحت الاستهداف
هيومن رايتس ووتش رصدت تصاعد المضايقات القضائية بحق المحامين، خصوصًا أولئك الذين يتولون قضايا سياسية أو يتحدثون علنًا عن انتهاكات حقوق الإنسان. ومن بين الأمثلة، عزل مجلس نقابة محامي إسطنبول بقرار قضائي عقب مطالبتها بالتحقيق في مقتل صحفيين كرديين بضربة مسيّرة في سوريا.
كما أشار التقرير إلى استمرار توقيف ومحاكمة محامين مرتبطين بملفات إمام أوغلو، من بينهم محاميه الرئيسي، الذي وُجهت إليه اتهامات ثقيلة بينها “الانتماء إلى منظمة إجرامية”.
تجاهل أحكام المحكمة الأوروبية
المنظمة شددت على استمرار تجاهل تركيا لأحكام المحكمة الأوروبية التي تطالب بالإفراج عن رجل الأعمال والناشط عثمان كافالا، المعتقل منذ عام 2017، إلى جانب شخصيات مدنية أخرى أدينت في قضايا مرتبطة باحتجاجات حديقة غيزي عام 2013، والتي وصفتها المنظمة بأنها بلا أساس قانوني.
سجناء السياسة والأقليات
التقرير أشار كذلك إلى استمرار سجن الرئيسين المشتركين السابقين لحزب الشعوب الديمقراطي، منذ عام 2016، بسبب أنشطة سياسية سلمية وخطابات غير عنيفة، معتبرًا ذلك انتهاكًا صارخًا للحقوق السياسية.
اللاجئون والترحيل القسري
في ملف اللاجئين، حذرت المنظمة من تصاعد استخدام أوامر ترحيل غير قانونية وإجراءات «العودة الطوعية» القسرية، حتى في حالات وجود دعاوى حماية. ولفتت إلى قضايا نشطاء من تركمانستان وُصفوا بتهديد الأمن القومي دون أدلة ملموسة، رغم صدور قرارات مؤقتة من المحكمة الدستورية تمنع ترحيلهم.
النساء ومجتمع الميم: تضييق باسم القيم
على صعيد الحقوق الاجتماعية، اعتبر التقرير أن إعلان عام 2025 «عام الأسرة» استُخدم لتبرير سياسات أضعفت حقوق النساء وزادت الضغط على المثليين ومزدوجي الميل الجنسي والمتحولين جنسيًا. وأشار إلى توجيهات رسمية تحظر استخدام مصطلحات تتعلق بالنوع الاجتماعي والهوية الجندرية، إضافة إلى مسودة قانون مسرّبة أثارت مخاوف من تجريم إضافي وتقييد الرعاية الصحية المرتبطة بالتحول الجنسي.
الفن والفضاء العام تحت الرقابة
التقرير وثّق استخدام مفاهيم «الأخلاق العامة» لتبرير ملاحقة فنانين وفرض رقابة على المحتوى الرقمي. ومن الأمثلة، توجيه اتهامات لفريق موسيقي نسائي بتهم بينها «الفحش»، إلى جانب استمرار حظر مسيرة فخر إسطنبول للعام الحادي عشر على التوالي.
الاقتصاد كعامل ضاغط على الحقوق
في ختام التقييم، لفت التقرير إلى الأوضاع الاقتصادية، مشيرًا إلى بلوغ معدل التضخم السنوي الرسمي واحدًا وثلاثين في المئة، محذرًا من أن ارتفاع أسعار الغذاء والإيجارات يضغط بشدة على حقوق الأسر ذات الدخل المحدود والمتوسط في الغذاء والسكن.
الخلاصة
يرسم تقرير هيومن رايتس ووتش صورة لتركيا عام 2025 كدولة تتعمق فيها السلطوية عبر استهداف المعارضة، وتقييد الإعلام، وتآكل استقلال القضاء. وفي ظل الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، تبدو الحقوق السياسية والمدنية أمام اختبار بالغ الحساسية.

