بقلم: ياوز أجار
أعادت الاتصالات الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة وضع ملف الاتفاق النووي، أحد أكثر ملفات الشرق الأوسط توترًا وتعقيدًا، في صدارة الاهتمام الدولي. ورغم أن المحادثات غير المباشرة التي تُجرى بوساطة عُمان تُقدَّم ظاهريًا على أنها «بداية إيجابية»، فإن التباعد العميق بين الأهداف الاستراتيجية للطرفين لا يزال واضحًا، ما يطرح تساؤلات جدية حول ما إذا كانت الدبلوماسية تسعى إلى تسوية نهائية فعلًا، أم تكتفي بإدارة التوتر ضمن حدود يمكن التحكم بها.
تسوية حقيقية أم كسب للوقت؟
بالنسبة إلى واشنطن، لا يقتصر الملف الإيراني على منع انتشار السلاح النووي فحسب. فالولايات المتحدة تسعى إلى حزمة أشمل تشمل تقييد قدرات إيران على تخصيب اليورانيوم، ووضع برنامجها للصواريخ الباليستية تحت الرقابة، وتقليص نفوذها الإقليمي وشبكة حلفائها ووكلائها في المنطقة.
في المقابل، تنظر طهران إلى هذا الطرح باعتباره استراتيجية ضغط متعددة المستويات تستهدف أمن النظام ذاته. فالبرنامج النووي، من منظور صانعي القرار الإيرانيين، ليس مسألة تقنية بحتة، بل رمز للردع والسيادة وضمان استمرار النظام.
ومن هنا، تفضّل إيران حصر المفاوضات في إطار ضيق يركّز على تخفيف العقوبات وفتح متنفس اقتصادي، مع كسب الوقت للحفاظ على مكاسبها النووية الحالية.
ارتدادات إقليمية معقّدة
لا تقتصر تداعيات المفاوضات الإيرانية–الأميركية على العاصمتين، بل تمتد لتطال توازنات القوة في الشرق الأوسط بأسره. فإسرائيل تواصل التلويح بخيارات عسكرية أحادية ضد القدرات النووية الإيرانية، وتخشى أن تتحول العملية الدبلوماسية إلى مجرد مناورة لكسب الوقت. في حين دول الخليج تبدي قلقًا من أن يؤدي أي اتفاق إلى تعزيز القدرات الاقتصادية لإيران بما ينعكس توسعًا في نفوذها الإقليمي. أما روسيا والصين، فتقرآن أي تقارب محدود بين طهران والغرب على أنه عامل يقيّد هامش الحركة الأميركي في المنطقة.
في هذا السياق، تبدو المفاوضات أقرب إلى لعبة توازنات متعددة الأطراف منها إلى طاولة سلام تقليدية، فيما تستمر الرسائل المتبادلة عبر صراعات منخفضة الحدة ووكلاء إقليميين يختبرون باستمرار حدود الدبلوماسية.
ضغوط داخلية متباينة في طهران وواشنطن
غالبًا ما تُحسم المسارات الدبلوماسية خارج غرف التفاوض، وتحديدًا في ساحات الرأي العام الداخلي. ففي إيران، أدّت العقوبات إلى تفاقم غلاء المعيشة والبطالة، ما خلق أملًا حذرًا لدى الشارع بإمكانية أن تفتح الدبلوماسية نافذة للخروج من الأزمة. غير أن انعدام الثقة العميق بالولايات المتحدة، وصدمة الانسحاب الأميركي من الاتفاق عام 2018، لا يزالان حاضرين بقوة. لذلك تجد القيادة الإيرانية نفسها مضطرة لتجنّب أي انطباع يوحي بتقديم تنازلات.
أما في الولايات المتحدة، فيُعد الملف الإيراني موضوعًا شديد الحساسية في السياسة الداخلية. الإدارة تخشى أن يُنظر إلى أي فشل دبلوماسي على أنه ضعف، وفي الوقت نفسه لا ترغب في الانزلاق إلى تصعيد عسكري قد يشعل أزمة جديدة في الشرق الأوسط.
هذه الضغوط المتبادلة تُبقي الطرفين في منطقة رمادية، لا حرب شاملة ولا سلام كامل.
حل مؤجل أم إدارة أزمة؟
يرى كثير من المحللين أن المسار التفاوضي الحالي لا يهدف إلى إنتاج حل نهائي بالمعنى الكلاسيكي، بقدر ما يسعى إلى ضبط التوتر، ومنع انفجار عسكري مفاجئ، ومنح الأطراف هامش مناورة سياسيًا واستراتيجيًا.
ويختصر أحد التجار في طهران هذا الواقع بعبارة لافتة:
»لن تكون هناك حرب، لكن لن يكون هناك سلام أيضًا. «
وهي عبارة تتجاوز كونها رأيًا فرديًا لتعكس المزاج العام السائد في سياسات المنطقة.
دبلوماسية تسير على حافة رفيعة
حتى اللحظة، لا تبدو مفاوضات إيران والولايات المتحدة مشروع سلام بقدر ما هي استراتيجية لإدارة غموض محسوب. فكل طرف متمسّك بخطوطه الحمراء، ومدرك في الوقت نفسه أن كلفة التخلي الكامل عن الدبلوماسية ستكون باهظة.
وعليه، فإن السيناريو المرجّح في المدى المنظور هو استمرار حالة توازن هشة: حرب مؤجَّلة، وسلام غير مُنجز. ويبقى السؤال مفتوحًا: إلى متى يمكن لهذا التوازن أن يصمد؟

