عاد النقاش حول ما إذا كانت تركيا قد تكون الهدف التالي بعد إيران ليتصدر المشهد، إثر تصريحات منسوبة إلى المسؤول الأميركي السابق جو كينت. غير أن قراءة هذا الجدل، وفق تحليل الدبلوماسي التركي السابق عمر مراد، تقتضي فصله عن التناول السطحي أو الترجمة الحرفية، وربطه بسياقاته السياسية الداخلية في الولايات المتحدة، لا سيما الصراع داخل معسكر الرئيس دونالد ترامب.
تصريحات جو كينت… سياق داخلي أكثر منه تهديد خارجي
في تحليل قدمه عبر صفحته على يوتيوب، يرى عمر مراد أن تصريحات كينت لا تعكس بالضرورة سياسة استراتيجية ثابتة، بل تأتي في إطار صراع داخلي داخل التيار الشعبوي الأميركي، المعروف بقاعدة “MAGA”.
يشير التحليل إلى أن كينت، الذي استقال من منصبه، يمثل جناحاً داخل المؤسسة الأميركية غير راضٍ عن انخراط ترامب في الحرب مع إيران، ويستخدم خطاباً صادماً لتقويض سردية ترامب أمام قاعدته الشعبية.
في هذا السياق، تم طرح فكرة أن انسحاب الولايات المتحدة من حلف الناتو قد يتيح لها دعم إسرائيل في حال اندلاع صراع مع تركيا، وهي فرضية يراها مراد أقرب إلى أداة خطابية منها إلى سيناريو واقعي.
لماذا يلوّح ترامب بالانسحاب من الناتو؟
يُرجع عمر مراد هذا الخطاب إلى جذور شعبوية، مشابهة لتجربة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
القاعدة الشعبية لترامب ترى أن الولايات المتحدة تتحمل أعباء صراعات لا تخدم مصالحها المباشرة، مثل الحرب في أوكرانيا، بينما تتجاهل التحدي الصيني المتصاعد.
غير أن هذا الخطاب يصطدم بواقع مؤسساتي؛ إذ إن الناتو يمثل أداة مركزية في النفوذ الأميركي العالمي، والتخلي عنه ليس قراراً سهلاً، بل يتطلب موافقة الكونغرس، ما يحدّ من قدرة أي رئيس على اتخاذ خطوة أحادية.
هل يمكن تجاوز الناتو في صراع محتمل؟
يفند عمر مراد الطرح القائل بأن واشنطن قد تنسحب من الناتو لتفادي التزاماتها تجاه تركيا في حال نشوب صراع مع إسرائيل.
يؤكد أن هذا الطرح يفتقر إلى المنطق، لأن الولايات المتحدة تملك من النفوذ ما يمكّنها من إعادة تشكيل قواعد الحلف إذا أرادت. وسبق أن طُرحت سيناريوهات لإمكانية استبعاد تركيا من الناتو، خاصة خلال أزمة انضمام السويد وفنلندا، وتم تداول مقترحات قانونية، استناداً إلى اتفاقيات دولية، تسمح بتعليق أو إنهاء عضوية دول لا تلتزم بمعايير الحلف.
بناءً عليه، يرى مراد أن الانسحاب من الناتو ليس الخيار الأكثر واقعية لتحقيق أهداف استراتيجية.
الحرب على إيران… ارتدادات داخلية في واشنطن
يشير التحليل إلى أن الحرب مع إيران شكّلت نقطة تحول داخل التيار الشعبوي الأميركي، إذ تسببت في انقسام حاد داخل قاعدة ترامب.
فبينما وصل ترامب إلى السلطة بخطاب مناهض للحروب، وجد نفسه منخرطاً في صراع مكلف اقتصادياً واستراتيجياً.
تشير تقديرات داخلية إلى أن تكلفة الحرب بلغت نحو مليار دولار يومياً خلال فترة التصعيد، ما أثار انتقادات واسعة.
كما أدى تعطّل الملاحة في مضيق هرمز إلى تداعيات اقتصادية عالمية، بما في ذلك مخاوف من نقص وقود الطائرات في أوروبا، وهو ما زاد من الضغط على الإدارة الأميركية.
إيران وسيناريو “الشرعية الجاهزة”
يبرز عمر مراد نقطة محورية في التحليل، مفادها أن الخطاب الراديكالي الإيراني يشكّل مادة جاهزة لتبرير التدخلات الخارجية.
فحتى في الجدل الأميركي الداخلي، يتم توظيف هذا الخطاب بطرق متناقضة: أحياناً لتبرير الحرب، وأحياناً أخرى لنفي ضرورتها عبر المقارنة مع دول تمتلك سلاحاً نووياً دون تدخل عسكري ضدها.
ويخلص إلى أن السلوك الإيراني، سواء عن قصد أو بدونه، يُستخدم كأداة في الصراع الدولي.
هل يوجد فعلاً خطر صدام بين تركيا وإسرائيل؟
يقدم عمر مراد تقييماً حذراً، يربط احتمال التصعيد بمآلات الحرب في إيران.
يرى أنه لو نجحت إسرائيل في إسقاط النظام الإيراني بسرعة، لكانت انتقلت إلى مرحلة إعادة تشكيل الإقليم، خصوصاً في سوريا، مع احتمال دعم مشاريع سياسية جديدة، من بينها كيانات كردية، وهو ما كان سيضع تركيا في مواجهة مباشرة.
لكن تعثر الحرب في إيران، وفشل تحقيق أهدافها الكبرى، أدى إلى تجميد هذه السيناريوهات مؤقتاً.
مؤشرات ميدانية تنفي وجود تهديد مباشر لتركيا
يستند مراد إلى مجموعة من الوقائع العملية التي تضعف فرضية وجود تهديد وشيك من إسرائيل لتركيا، منها استمرار عمل قاعدة كوريجيك الرادارية، التي تسهم في منظومة الدفاع التابعة للناتو، وعدم اتخاذ أنقرة إجراءات تصعيدية مثل إغلاق القواعد أو إعادة تقييم الاتفاقيات العسكرية، واستمرار تدفق الطاقة عبر خطوط مرتبطة بإسرائيل دون تعطيل.
هذه المعطيات، وفق التحليل، تشير إلى أن صانع القرار التركي لا يتصرف على أساس وجود خطر عسكري مباشر مع إسرائيل، حيث تلبي تركيا في الوقت الراهن مطالب المحور الأمريكي الإسرائيلي.
بين الخطاب والواقع… فجوة التقدير
يلفت عمر مراد إلى مفارقة لافتة: في الوقت الذي يتصاعد فيه الخطاب السياسي والإعلامي حول تهديدات وجودية، لا تعكس السياسات الفعلية هذا الشعور بالخطر.
وهذا قد يعود إلى تقدير مختلف لطبيعة التهديد، أو حسابات سياسية واقتصادية تمنع التصعيد، أو إدراك بأن الصراع لا يزال ضمن حدود يمكن احتواؤها.

