في خضم التصعيد الإقليمي الذي أعقب الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران، تصاعدت في الداخل التركي مخاوف من احتمال انتقال بوصلة التهديد الإسرائيلي نحو أنقرة. غير أن خبراء عسكريين وباحثين في السياسة الخارجية في تركيا يرون أن هذا السيناريو، رغم حضوره في الخطاب الإعلامي، لا يستند إلى معطيات عسكرية أو سياسية واقعية.
الرأي العام التركي: إسرائيل في صدارة التهديدات
استطلاع أجرته مؤسسة PanoramaTR في شباط/فبراير وشمل 2,109 مشاركين أظهر أن شريحة واسعة من الأتراك باتت تعتبر إسرائيل أكبر تهديد خارجي لبلادهم. هذا التحول في المزاج العام يعكس تأثير التوترات الإقليمية، ولا سيما بعد الحرب في غزة والتصعيد مع إيران، إضافة إلى التصريحات المتبادلة بين قادة البلدين.
القلق الشعبي ازداد عقب تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بينيت الذي تحدث عن “تهديد تركي جديد”، معتبراً أن أنقرة تحل محل طهران كخطر رئيسي على إسرائيل، ووصف الرئيس رجب طيب أردوغان بأنه “خصم متطور وخطير” يسعى إلى تطويق إسرائيل.
الحسابات العسكرية: الجغرافيا والتحالفات كعوامل كابحة
اللواء المتقاعد علي أر رأى أن الحديث عن هجوم إسرائيلي على تركيا يفتقر إلى منطق سياسي واضح، معتبراً أن الجدل يخدم في جانب منه تشكيل الرأي العام الداخلي أكثر مما يعكس نية عملياتية فعلية. وأكد أن إسرائيل قد تُلحق أضراراً بتركيا في حال اندلاع مواجهة، لكنها ستواجه كلفة أكبر بكثير.
من الناحية الجغرافية، لا توجد حدود برية مشتركة بين البلدين، ما يحصر أي سيناريو عسكري محتمل في عمليات جوية بعيدة المدى، وهي عمليات معقدة لوجستياً ومحفوفة بمخاطر التصعيد. كما أن استهداف تركيا يعني عملياً ضرب دولة عضو في حلف شمال الأطلسي، وهو تطور يحمل تبعات استراتيجية لا يمكن لإسرائيل تجاهلها.
علي أر استعاد حادثة إسقاط تركيا طائرة حربية روسية قرب الحدود السورية في تشرين الثاني/نوفمبر 2015، والتي أدت إلى أزمة حادة مع موسكو، باعتبارها مثالاً على أثر الردع المرتبط بعضوية الناتو، حتى وإن لم يُفعّل الحلف آلياته العسكرية مباشرة آنذاك.
البعد الأمريكي: مظلة ردع إضافية
الباحث في السياسة الإسرائيلية الدكتور رمزي تشيتين أشار إلى أن أي مواجهة تركية–إسرائيلية ستعني عملياً احتكاكاً مباشراً مع الولايات المتحدة، نظراً للدعم الأمريكي الثابت لإسرائيل. هذا المعطى يشكل، برأيه، عاملاً رادعاً إضافياً، إذ لا تبدو أنقرة معنية بالدخول في صدام مفتوح مع واشنطن في ظل تعقيدات العلاقات الثنائية وملفات التعاون الدفاعي.
تشيتين لفت أيضاً إلى التحولات في المشهد السوري بعد سقوط نظام بشار الأسد في مطلع كانون الأول/ديسمبر 2024، معتبراً أن تركيا عززت نفوذها في شمال سوريا منذ ذلك الحين. وذكّر بتصريح للرئيس الأمريكي المنتخب آنذاك دونالد ترامب قال فيه إن تركيا “ستمسك بمفتاح” ما سيحدث في سوريا، في إشارة إلى دورها المحوري في إعادة تشكيل التوازنات هناك.
الخطاب السياسي الإسرائيلي: حسابات انتخابية؟
تشيتين رأى أن حدة التصريحات الصادرة عن سياسيين إسرائيليين ينبغي قراءتها في سياق داخلي، مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في تشرين الأول/أكتوبر 2026. فتصوير تركيا كتهديد محتمل قد يخدم تعبئة القاعدة الانتخابية وإعادة صياغة أولويات الأمن القومي في الخطاب السياسي.
التجربة الإسرائيلية في الحروب السابقة تشير إلى أن المواجهات كانت غالباً ذات نطاق جغرافي محدود نسبياً. أما صدام مباشر مع تركيا، الدولة ذات الثقل العسكري والاقتصادي والإقليمي، فسيحمل أبعاداً إقليمية ودولية أوسع بكثير، وقد يفتح أبواباً يصعب التحكم بها.
توازن الردع أم تصعيد الخطاب؟
على الرغم من التوترات المتكررة بين أنقرة وتل أبيب، فإن العلاقات بينهما مرت بدورات من القطيعة والتطبيع خلال العقدين الماضيين. ورغم الخلافات الحادة حول غزة والملف الفلسطيني، استمرت قنوات الاتصال الأمنية والاقتصادية بدرجات متفاوتة.
في ضوء ذلك، يرى خبراء أن احتمال انتقال التوتر إلى مواجهة عسكرية مباشرة يظل ضعيفاً، إذ لا تتوافر مصلحة استراتيجية واضحة لأي من الطرفين في خوض حرب مفتوحة. كما أن البيئة الإقليمية المثقلة بالأزمات، من إيران إلى سوريا ولبنان، تجعل من إضافة جبهة جديدة خطوة عالية المخاطر.
خلاصة
رغم تصاعد الخطاب المتشدد وتنامي القلق الشعبي في تركيا، تشير المعطيات العسكرية والسياسية إلى أن احتمال هجوم إسرائيلي على تركيا يبقى ضعيفاً في المدى المنظور. الجغرافيا، وعضوية أنقرة في الناتو، والتشابكات الأمريكية، إضافة إلى الحسابات الانتخابية الإسرائيلية، كلها عوامل تجعل سيناريو الحرب أقرب إلى أداة خطابية منه إلى خطة واقعية.

