يرى أيدوغان وطنداش أن الضربة الأميركية على إيران لم تنتج في واشنطن صورة “وحدة وطنية” معتادة في أوقات الحروب، بل أطلقت نقاشاً دستورياً حاداً حول مدى أحقية الرئيس في استخدام القوة من دون تفويض صريح من الكونغرس. ويؤكد أن الجدل لم يقتصر على الديمقراطيين؛ إذ انضم عدد من الجمهوريين إلى الاعتراض، ما حوّل العملية من ملف أمني خارجي إلى أزمة شرعية داخلية.
في قلب السجال سؤال صلاحيات الحرب: هل يملك الرئيس سلطة إصدار أمر عسكري بهذا الحجم من دون عرض مبررات “التهديد الوشيك والحتمي” أمام السلطة التشريعية؟ منتقدو القرار يرون أن هذا الشرط لم يُستوفَ بوضوح، وأن إحاطة محدودة لعدد ضيق من قادة الكونغرس لا تكفي لتبرير تجاوز المؤسسة التشريعية. ويقرأ وطنداش ذلك باعتباره “رد فعل مؤسسي” على توسّع نفوذ السلطة التنفيذية في السياسة الخارجية خلال السنوات الأخيرة.
انقسام جمهوري يختبر هوية الحزب
يبرز داخل الحزب الجمهوري تيارٌ يعارض التدخلات الخارجية، معتبراً أن العملية تتعارض مع خطاب “أميركا أولاً” مثل أسماء توماس ماسي وراند بول ووارن ديفيدسون دعت إلى ضرورة تفويض الكونغرس قبل أي حرب. في المقابل، يدعم جناح الحزب “الصقوري” القرار باعتباره حاسماً في مواجهة طهران.
بحسب وطنداش، فإن مجرّد طرح تصويت لتقييد صلاحيات الحرب— حتى إن لم يمر—يشكل رسالة سياسية قوية إلى البيت الأبيض، ويذكّر بلحظات فاصلة في التاريخ الأميركي حين انقسمت المؤسسة حول قرارات عسكرية كبرى.
مأزق الشرعية في القانون الدولي
من زاوية القانون الدولي، يؤكد وطنداش أن استخدام القوة ضد دولة ذات سيادة لا يُعد مشروعاً إلا بقرار من مجلس الأمن أو في إطار “الدفاع الشرعي عن النفس” وفق المادة الحادية والخمسين من ميثاق الأمم المتحدة. وفي الحالة الراهنة، لا يوجد تفويض صريح من مجلس الأمن، كما لم يُقدَّم إطار قانوني يحظى بقبول واسع يثبت وجود تهديد مسلح وشيك.
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش حذّر من اتساع رقعة النزاع وما قد يحمله من تبعات خطيرة على المدنيين والاستقرار الإقليمي، كما دان الانتهاكات التي طالت سيادة دول في المنطقة، في وقتٍ شجب فيه أيضاً الهجمات الانتقامية الإيرانية. ويعتبر وطنداش أن هذا التوازي في الإدانة يعكس قلقاً أممياً من انزلاقٍ غير محسوب يهدد قواعد النظام الدولي.
خطاب تغيير النظام وحدود “ضربة الرأس”
إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عبر منصة X مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، وتوصيفه ذلك بأنه “عدالة”، ترافق مع دعوة الإيرانيين إلى “استعادة بلادهم” وإيحاء بإمكانية العفو عن عناصر عسكرية تغيّر ولاءها. يصف وطنداش هذا الخطاب بأنه أقرب إلى دعوة صريحة لتغيير النظام، ويستند إلى فرضية أن “إزالة القائد تُسقط البنية”.
غير أن الباحث التركي يرى أن هذا الافتراض يبسط واقع الدولة الإيرانية المعقّد. فالنظام يمتلك آليات خلافة دستورية، ومؤسسات دينية راسخة، وكياناً أمنياً متشعباً يتقدمه الحرس الثوري الإيراني، بما يسمح بإعادة التماسك سريعاً. ويضيف أن الصدمة الخارجية قد تُنتج “تصلباً أمنياً” بدلاً من التفكك، وتغلق المجال أمام الإصلاحيين عبر تعزيز سردية “الحصار الخارجي”.
الشارع الأميركي: دعم فاتر وتبدّل في المزاج العام
استناداً إلى استطلاعات رأي حديثة، يشير وطنداش إلى أن التأييد الشعبي للخطوة العسكرية ضعيف. نسبة كبيرة من الأميركيين إما تعارض الضربة أو غير مقتنعة بها، فيما يعبّر جزء محدود فقط عن دعم صريح. حتى داخل القاعدة الجمهورية، تظهر تردّدات ملحوظة.
كما تكشف قياسات حديثة عن تراجع تاريخي في مستوى التعاطف الشعبي مع إسرائيل، وارتفاع ملموس في التعاطف مع الفلسطينيين مقارنة بما قبل عامين. اللافت—وفق التحليل—هو تحوّل المستقلين والشباب، إذ سجّلت الفئة العمرية بين 18 و34 عاماً أكبر هبوط في مستويات تأييد إسرائيل، مع بقاء دعم حلّ الدولتين مرتفعاً نسبياً. ويرى وطنداش أن هذا التحول يعكس إعادة تشكيل عميقة لخرائط الرأي العام، ويجعل أي تصعيد عسكري إضافي أكثر كلفة سياسياً.
“إكس” كساحة عابرة للاستقطاب
تحولت منصة إكس المملوكة لرجل الأعمال إلون ماسك إلى فضاء تلاقت فيه أصوات من اليمين واليسار ضد التدخل العسكري. شخصيات محافظة مؤثرة مثل توكر كارلسون أليكس جونس وجدت نفسها في تقاطعٍ نادر مع دوائر ديمقراطية تقليدية مناهِضة للحروب.
يخلص وطنداش إلى أن خوارزميات المنصة وخطاب “حرية التعبير” سرّعا من تشكّل معارضة رقمية عابرة للاستقطاب، ما وسّع النقاش من خلاف حزبي إلى أزمة شرعية أوسع تمسّ حدود السلطة التنفيذية وموقع الولايات المتحدة في النظام الدولي.
سيناريوهات مفتوحة
يرى الباحث أن المسار المقبل يتوقف على ثلاثة متغيرات: قدرة الكونغرس على فرض قيود فعلية على صلاحيات الحرب، واتجاهات الرأي العام إذا طال أمد العمليات، وردّ الفعل الإيراني بين التصعيد والاحتواء. ويؤكد أن سؤال “هل ينهار النظام؟” أقل أهمية من سؤال “أيّ إيران ستخرج من الصدمة: أكثر تشدداً أم أكثر براغماتية؟”.
الخلاصة
بحسب أيدوغان وطنداش، الضربة على إيران أطلقت أزمة شرعية داخلية في واشنطن بقدر ما فجّرت نزاعاً خارجياً. الرهان على إسقاط النظام عبر “ضربة الرأس” قد يعيد إنتاج تماسك أمني في طهران، ويعمّق الانقسام السياسي داخل الولايات المتحدة.

