في تصعيد سياسي واضح، وجّه وزير الخارجية التركي هاكان فيدان انتقادات مباشرة لقوات سوريا الديمقراطية، معتبراً أن إصرارها على الاحتفاظ بمكاسبها الميدانية ورفضها الانخراط الجدي في مسار الاندماج الوطني السوري بات يمثل العقبة الأبرز أمام استعادة الاستقرار في سوريا، ولا سيما في مدينة حلب.
موقف تركي حاسم: التعنّت بدل الاندماج
خلال مؤتمر صحفي مشترك عقده في أنقرة مع وزير الخارجية العُماني بدر بن حمد البوسعيدي، شدد فيدان على أن المرحلة الحالية تتطلب من “قسد” التخلي عن سياسات المماطلة، مؤكداً أن استمرارها في التمسك بهياكلها المسلحة والإدارية المستقلة يتناقض مع واقع سوريا الجديد ومع متطلبات السلم الأهلي.
وأوضح أن تمسك “قسد” بما لديها “بأي ثمن” يعكس نهجاً تصعيدياً لا يخدم لا السوريين ولا أمن المنطقة، داعياً إياها إلى القطع النهائي مع خطاب الإرهاب والنزعات الانفصالية، والانخراط في مسار سياسي-أمني جامع.
حلب كنموذج للأزمة المتراكمة
ربط فيدان التطورات الأخيرة في مدينة حلب، وخاصة ما شهدته أحياؤها الشمالية، بما وصفه بتحذيرات تركية متكررة أُطلقت خلال العام الماضي. وأشار إلى أن غياب أي خطوات فعلية من قبل “قسد” نحو الاندماج في مؤسسات الدولة السورية أسهم بشكل مباشر في تفاقم الوضع الميداني.
ولفت إلى أنه لو بادرت “قسد” منذ وقت مبكر إلى تنفيذ مسار الاندماج بدلاً من “كسب الوقت”، لما وصلت الأمور إلى هذا المستوى من التوتر والاشتباكات.
قدرات دمشق تتعافى… والرسالة تتغير
في سياق موازٍ، أشار وزير الخارجية التركي إلى أن الحكومة السورية استطاعت خلال الفترة الأخيرة إعادة ترميم قدراتها، سواء على مستوى مواجهة التهديدات الأمنية أو على صعيد تقديم الخدمات العامة، ما يعكس تغيراً في ميزان القوة داخل البلاد.
واعتبر أن هذا التحول يفرض واقعاً جديداً، لم يعد يسمح ببقاء كيانات موازية داخل المدن الكبرى، مؤكداً أن المرحلة الراهنة هي مرحلة “الوحدة الوطنية”، وليس إدارة مناطق عبر هياكل مستقلة أو سلطات موازية.
تحذير من “دولة داخل الدولة” في حلب
أبرز فيدان في حديثه حساسية الوضع داخل مدينة حلب، محذراً من محاولة تكريس نموذج “مدينة داخل مدينة” أو “إدارة داخل إدارة”، معتبراً أن أي دولة ذات سيادة لن تقبل بوجود بنى موازية تنازعها السلطة.
ودعا “قسد” إلى الانسحاب من هذا النموذج، واعتماد مقاربة تضمن مصلحة جميع سكان المدينة، بمن فيهم الأكراد والإيزيديون وسائر المكونات، مشدداً على أن استقرار حلب لا يتحقق إلا عبر بسط سلطة الدولة على كامل المدينة.
شروط تركية لتطبيع الوضع في حلب
في إطار خريطة طريق واضحة، عبّر فيدان عن أمل أن تلتزم “قسد” بالتفاهمات السابقة، عبر سحب عناصرها من حيّي الشيخ مقصود والأشرفية، وتجريد هاتين المنطقتين من السلاح الثقيل، بما يتيح للحكومة السورية ممارسة مسؤولياتها الأمنية والإدارية في المدينة بأكملها.
وأكد أن هذه الخطوة تمثل المدخل الأساسي لعودة الحياة الطبيعية إلى حلب، وأنها تصب في مصلحة جميع سكانها دون استثناء.
اتهام بالتنسيق مع إسرائيل
وفي لهجة غير مسبوقة، أشار فيدان إلى ما وصفه بتقاطع مصالح بين “قسد” وإسرائيل، معتبراً أن انخراطها في سياسات تتماشى مع نهج “التقسيم والتفكيك” الذي تتبعه تل أبيب في المنطقة لا يمكن فصله عن سياق أوسع لإعادة تشكيل الخارطة الإقليمية.
واعتبر أن هذا الدور ليس عرضياً، بل يعكس تحول “قسد” إلى فاعل إقليمي يخدم أجندات خارجية على حساب وحدة سوريا.
قنوات مفتوحة… دون استجابة ميدانية
كشف وزير الخارجية التركي عن وجود مشاورات مكثفة مع كل من الحكومة السورية والولايات المتحدة، بهدف احتواء الأزمة ومنع انزلاقها نحو مزيد من العنف. غير أنه أبدى أسفه لعدم رصد أي خطوات إيجابية من جانب “قسد” رغم الأجواء السياسية التي وصفها بـ”الإيجابية”.
وأشار إلى وجود رسائل وتعليمات صادرة من داخل تركيا، في إشارة إلى مسار سياسي داخلي أكثر انفتاحاً، إلا أن “قسد” – بحسب فيدان – لم تُبدِ أي تجاوب معها، ما يثير تساؤلات حول مصادر القرار الفعلي داخلها، واحتمالات تلقيها توجيهات من خارج السياق السوري والتركي.
خلاصة
تصريحات فيدان تعكس انتقال أنقرة من مرحلة التحذير إلى مرحلة الضغط السياسي العلني، في محاولة لدفع “قسد” نحو الاندماج الكامل في الدولة السورية، وسط مخاوف من أن استمرار التعنّت قد يفتح الباب أمام تصعيد أوسع يعيد رسم ملامح الصراع في شمال سوريا.

