بقلم: ياوز أجار
تخشى إسرائيل أكثر ما تخشى أن تستيقظ في يومٍ من الأيام على شرق أوسطٍ تتحرك فيه القوى الإقليمية من دون الحاجة إلى المظلّة الأمريكية، أو في ظلّ تردد واشنطن وتراجع حضورها التدريجي عن مسرح المنطقة. هذا الهاجس لا يرتبط فقط بالحاضر، بل هو خيط ناظم لسياسات تل أبيب منذ نشأتها وحتى اليوم، غير أنّه يكتسب في المرحلة الراهنة أبعاداً أكثر حدّة، مع تعمّق التحولات داخل الولايات المتحدة، ومع تصاعد أدوار قوى إقليمية مثل إيران وتركيا ودول الخليج.
أولاً: منطق التبعية الاستراتيجية بين واشنطن وتل أبيب
الولايات المتحدة كـ«مُضاعِف قوة» لإسرائيل
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، شكّلت الولايات المتحدة الراعي الأكبر لمشروع إسرائيل السياسي والعسكري والاقتصادي. لم تكن إسرائيل في أي مرحلة قوة مكتفية بذاتها، بل دولة تتغذى على ثلاثة روافع أساسية:
على الدعم العسكري النوعي، بما في ذلك التفوق الجوي، وأنظمة الدفاع الصاروخي، والذخائر المتطورة؛
والغطاء السياسي في المؤسسات الدولية، وعلى رأسها مجلس الأمن، حيث تحوّلت الفيتوات الأمريكية إلى مظلة حماية دبلوماسية دائمة؛
والدعم المالي والاقتصادي، سواء في شكل مساعدات مباشرة أو تسهيلات تجارية وتكنولوجية.
هذه العناصر جعلت إسرائيل «قوة فوق إقليمية» بفضل الدعم الأمريكي، لا بحكم وزنها الذاتي فقط. ولهذا يتجاوز «الخوف من فقدان أمريكا» البُعد العسكري إلى الشعور بأنّ فقدان واشنطن يعني خسارة إطار الحماية الأوسع الذي يضمن لإسرائيل تفوقاً بنيوياً على جميع جيرانها.
وهم «الاستغناء عن أمريكا» وحدود القوة الإسرائيلية
تُدرك النخب الأمنية الإسرائيلية أنّ القول بإمكانية تحوّل إسرائيل إلى قوة مستقلة بالكامل عن واشنطن مجرد وهم استراتيجي. فإسرائيل، مهما بلغت قدراتها، تظل:
دولة صغيرة من حيث المساحة والعمق الجغرافي؛
وشديدة الهشاشة أمام أي حرب صاروخية أو صراع طويل الأمد؛
ومحدودة من حيث الموارد البشرية مقارنةً بخصوم إقليميين كبار مثل إيران وتركيا ومصر؛
ومرتبطة عضوياً بشبكات التمويل والتكنولوجيا الغربية، وفي القلب منها الولايات المتحدة.
لهذا تتعامل تل أبيب مع أي مؤشرات على انكفاء أمريكي عن المنطقة بوصفها إنذاراً وجودياً، لا مجرّد متغير عابر في توزيع الأدوار الدولية.
ثانياً: الحرب على إيران وإعادة استدعاء واشنطن
هجوم مفاجئ في لحظة تفاوضية حساسة
في الوقت الذي كانت فيه قنوات التفاوض غير المعلنة بين إيران ودول الخليج تنشط في مسقط، جاءت الضربات الأمريكية ضد إيران لتقلب الطاولة على مسار كان يميل تدريجياً إلى تخفيف التوتر وتكبيل احتمالات الانزلاق إلى مواجهة شاملة. في هذا السياق، يبدو سؤال الدوافع مشروعاً:
- من المستفيد من تعطيل مسار التقارب بين طهران وبعض العواصم الخليجية؟
- ومن المستفيد من تكبيل أي ترتيبات إقليمية لا تكون فيها إسرائيل محوراً إلزامياً للأمن الجماعي؟
من زاوية القراءة الإسرائيلية، كل تقارب بين إيران ودول الخليج يُفسَّر على أنه تهديد مزدوج: يقلّص الحاجة إلى الدور الإسرائيلي في منظومات الدفاع الإقليمي، ويخلق مساحات تفاهم لا تستطيع تل أبيب اختراقها بسهولة. لذلك يُقرأ أي تصعيد عسكري أمريكي ضد إيران – حتى إن بدا قراراً أمريكياً صرفاً – بوصفه تعزيزاً غير مباشر لموقع إسرائيل في معادلة الأمن الإقليمي.
استراتيجيات «إعادة إدخال أمريكا إلى المسرح»
في منطق «التبعية الاستراتيجية»، لا يكفي لإسرائيل أن تكون قوية؛ الأهم أن تبقى الولايات المتحدة موجودة في قلب المشهد. لذا تتقاطع حسابات إسرائيل في أكثر من ملف على هدف واحد:
منع واشنطن من الانسحاب الكامل أو الانكفاء الحاد عن الشرق الأوسط. ويتم ذلك عبر تضخيم التهديد الإيراني بوصفه تهديداً لـ«النظام الدولي» لا لإسرائيل وحدها؛
وربط أمن الطاقة وأمن الملاحة في الخليج بالسلوك الإيراني، بما يجبر الولايات المتحدة على البقاء؛
وتسويق فكرة أن أي فراغ أمريكي سيملؤه خصومٌ استراتيجيون لواشنطن، من روسيا إلى الصين.
في الجوهر، تحاول تل أبيب أن تجعل نفسها «بوابة المصالح الأمريكية»، بحيث يصبح التخلي عنها مكلفاً استراتيجياً وأخلاقياً واقتصادياً للبيت الأبيض، أياً كان ساكنه.
ثالثاً: تحولات الداخل الأمريكي وقلق إسرائيل المتزايد
بين «أمريكا أولاً» و«إسرائيل أولاً»
شهدت السنوات الأخيرة تصدّعاً متزايداً في الإجماع الأمريكي التقليدي حول السياسة الخارجية. الشعار الذي رُفع داخلياً تحت عنوان «أمريكا أولاً» أعاد فتح النقاش حول كلفة الحروب الخارجية على الاقتصاد والمجتمع الأمريكي؛ وجدوى الانخراط العسكري المباشر في مناطق بعيدة، من الشرق الأوسط إلى شرق آسيا؛ وحدود النفوذ الذي تمارسه جماعات الضغط، بما فيها اللوبي المؤيد لإسرائيل.
مع تصاعد هذه الأسئلة، بدأت تتبلور انتقادات علنية ترى أن السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط تبدو أحياناً وكأنها أقرب إلى «إسرائيل أولاً» منها إلى «أمريكا أولاً»، وأن واشنطن تدفع أثمان حروب لا تخدم بالضرورة مصالحها المباشرة. هذا الخطاب، حتى لو كان هامشياً في بعض المؤسسات، يثير قلقاً عميقاً في تل أبيب لأنه يُدخل العلاقة الخاصة مع الولايات المتحدة في دائرة السؤال، بعد أن كانت لعقود في منطقة «المسلّمات».
الشرعية المتآكلة للتدخلات العسكرية
يزداد القلق الإسرائيلي مع اتساع الفجوة بين النخبة السياسية والأمنية الأمريكية وبين قطاعات من الرأي العام التي سئمت من الحروب الطويلة. هنا تتجلى المفارقة:
الوعود الانتخابية بتخفيف التدخلات العسكرية الخارجية تتكرر، لكن الواقع يشهد استمراراً أو تجديداً لها تحت عناوين مختلفة؛
وكل حرب جديدة تحتاج لتبرير أكبر، وكل تبرير يصبح أصعب في ظل تآكل الثقة بمؤسسة الحكم وبالإعلام التقليدي.
في هذا المناخ، يصبح إقناع واشنطن بخوض حروب طويلة أو الانخراط في مواجهات مفتوحة ضد إيران أو غيرها أصعب من السابق، ما يضاعف خوف إسرائيل من اليوم الذي تضطر فيه إلى مواجهة التحديات الإقليمية الكبرى دون أن تجد إلى جوارها القوة الأمريكية بالزخم ذاته.
رابعاً: إيران وتركيا في المرآة الإسرائيلية
إيران: التهديد التقليدي «المكتمل الأبعاد»
في المخيال الأمني الإسرائيلي، تمثل إيران التهديد الأكثر اكتمالاً من حيث العمق الجغرافي والسكاني، والقدرة الصاروخية، وشبكة الحلفاء والوكلاء المنتشرة في الإقليم. ومن منظور تل أبيب، لا تقتصر خطورة إيران على طموحاتها النووية أو منظومتها الصاروخية، بل على كونها لاعباً اعتمد، على مدى عقود، على توظيف الفاعلين من غير الدول كأذرع نفوذ عابرة للحدود. إيران التي ظلت عاملاً مزعزعاً لاستقرار المنطقة على مدى عقود عبر الحوثيين في اليمن ضد السعودية والإمارات، والميليشيات في العراق، وحزب الله الذي دمّر توازن الدولة في لبنان، وشبكات بشار في سوريا، تُرى في إسرائيل بوصفها مركز ثقل لمحور كامل يطوّق المجال الحيوي الإسرائيلي من الخليج إلى شرق المتوسط. في ضوء هذه الرؤية، يصبح تحييد إيران، أو على الأقل الحد من قدرتها على تشغيل هذه الشبكات، شرطاً بنيوياً لأي تصور إسرائيلي للأمن القومي.
تركيا: «التهديد الكامن» ومعادلة ما بعد إيران
في السنوات الأخيرة، ومع تصاعد الخلافات السياسية بين أنقرة وتل أبيب، أخذت إسرائيل تنظر إلى تركيا بوصفها «تهديداً كامناً» قد يتحول إلى منافس استراتيجي مباشر، خاصة إذا اجتمعت فيها عناصر ثلاثة مستقبلا:
- استقلالية القرار السياسي وتراجع الارتهان للمحور الغربي التقليدي.
- عمق شعبي لخطاب مناهض للسياسات الإسرائيلية، قابل للتحول إلى خيارات عملية.
- حضور إقليمي متنامٍ في ملفات الطاقة، والبحر، والأمن، من شرق المتوسط إلى القوقاز والبلقان.
في هذا السياق، يصبح من المنطقي قراءة التصعيد الإسرائيلي اللفظي تجاه تركيا بعد كل موجة من التصعيد مع إيران، على أنه إشارة مبكرة إلى «عدو محتمل» في اليوم التالي لأي إضعاف كبير لإيران. فإسرائيل، التي تفضّل بيئة إقليمية مجزأة ومتصارعة، تخشى من أي محور سني صاعد تجد تركيا في قلبه، خاصة إذا كان يتنقل بحرية أكبر بعيداً عن الإيقاع الأمريكي.
خامساً: التحول الاستراتيجي الأمريكي وضيق هامش المناورة الإسرائيلية
«الانكماش المدروس» وانعكاساته على تل أبيب
تواجه الولايات المتحدة اليوم جملة من التحديات البنيوية أبرزها: استقطاب داخلي حاد يهدد استقرار مؤسسات الحكم، ومنافسة استراتيجية متصاعدة مع الصين وروسيا، أعباء اقتصادية واجتماعية تجعل الرأي العام أقل استعداداً لتحمل كلفة المغامرات الخارجية.
هذه العوامل تدفع واشنطن إلى ما يمكن وصفه بـ«الانكماش المدروس»: تخفيف الانخراط المباشر في مناطق معينة، وإعادة توزيع الموارد باتجاه أولويات أخرى، مثل المحيطين الهندي والهادئ. بالنسبة لإسرائيل، هذا يعني تضييق هامش طلب التدخل العسكري المباشر أو المفتوح، وازدياد الحاجة إلى إدارة الصراعات بأدوات غير مباشرة، عبر حروب الظل والعمليات المحدودة، وتعلق قراراتها الكبرى بإيقاع البيت الأبيض أكثر من أي وقت مضى، لأن أي خطوة كبيرة دون غطاء أمريكي قد تتحول إلى عبء استراتيجي عليها.
فراغ القوة وإغراء المغامرة
في النظريات الكلاسيكية للعلاقات الدولية، يُنظر إلى «فراغ القوة» بوصفه لحظة خطرة؛ إذ يغري القوى الإقليمية بمحاولات ملء الفراغ وتعظيم النفوذ. إسرائيل ليست استثناءً من هذه القاعدة، لكنها تصطدم بمعادلة معقدة: من جهة، ترغب في استثمار تراجع الحضور الأمريكي لتعزيز دورها كقوة إقليمية محورية. ومن جهة أخرى، تدرك أن أي توسع مفرط دون سند أمريكي قد يوقظ تحالفات مضادة أو يجرها إلى مواجهات تتجاوز قدراتها الذاتية.
هنا بالذات تتجلى «مفارقة إسرائيل»: تحتاج إلى أمريكا لتتحرك بأقصى طاقتها، لكنها تتحرك أحياناً بطريقة تدفع واشنطن نفسها إلى التفكير في كلفة البقاء في المنطقة.
سادساً: خيارات إسرائيل بين العزلة والتكامل الإقليمي
خيار العزلة: استمرار التبعية ومراكمة العداء
إذا اختارت إسرائيل الاستمرار في استراتيجية العزل والمواجهة، فإن ملامح الطريق واضحة: الاعتماد شبه الكامل على المظلّة الأمريكية في التسليح والغطاء السياسي؛ وتنفيذ عمليات عسكرية استباقية أو انتقامية عالية الكلفة، تعزز صورتها كقوة ردع، لكنها توسّع في الوقت نفسه دائرة العداء ضدها؛ وتوظيف الانقسامات العربية-الإسلامية لتجزئة الخصوم، من دون أي سعي جدي لبناء منظومات أمن إقليمي مشتركة.
هذا الخيار قد يمنح إسرائيل شعوراً مؤقتاً بالأمن، لكنه يتركها في حالة حصار نفسي وسياسي دائم، ويجعل أي خلل في التحالف مع واشنطن تهديداً وجودياً لا يمكن احتواؤه بسهولة.
خيار الاندماج: التعاون مع تركيا ودول المنطقة
الخيار الآخر، الأكثر صعوبة من الناحية السياسية والأيديولوجية، هو أن تعيد إسرائيل تعريف أمنها في إطار منظومة إقليمية أوسع، تقوم على:
- الاعتراف بأن الاستقرار طويل الأمد لا يمكن فرضه بالقوة وحدها، بل ببناء مصالح متبادلة مع القوى الإقليمية الكبرى، وفي مقدمتها تركيا.
- تطوير شراكات اقتصادية وأمنية مع دول عربية وإسلامية على أساس المصلحة المشتركة، لا على أساس تحالفات ظرفية موجهة ضد طرف ثالث.
- مراجعة سلوكها في الملفات الأكثر حساسية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، لأن استمرار سياسات الأمر الواقع يضع سقفاً صارماً على أي اندماج حقيقي في الإقليم.
هذا المسار، إن سلكته تل أبيب بجدية، لا يقلل من أهمية العلاقة مع الولايات المتحدة، لكنه يحولها من علاقة «تبعية مصيرية» إلى علاقة «شراكة قوية» ضمن منظومة أوسع من التوازنات.
سابعاً: إسرائيل بين حتمية التكيف ومخاطر الإنكار
ليس الخوف الإسرائيلي من فقدان المظلّة الأمريكية مجرد قلق عابر من تغير إدارة في البيت الأبيض، بل هو علامة على أن النموذج الذي حكم أمن إسرائيل لعقود أصبح يواجه حدودَه التاريخية. فالعالم يتغير، والولايات المتحدة نفسها تعيد بناء أولوياتها، والقوى الإقليمية تتعلم تدريجياً كيف تدير خلافاتها بمعزل عن الوصاية المباشرة.
في هذا المشهد، تبدو أمام تل أبيب ثلاث حقائق قاسية:
- لا يمكنها الاحتفاظ إلى الأبد بهيمنة عسكرية مطلقة في محيط إقليمي متفجر.
- لا يمكنها أن تفترض أن واشنطن ستبقى إلى الأبد مستعدة لدفع ثمن كل مغامرة.
- ولا يمكنها أن تبني أمنها الدائم على إنكار وجود شعوب وقوى حيّة في المنطقة، من الفلسطينيين إلى الإيرانيين والأتراك والعرب.
إن تجاوز «عقدة فقدان الحماية الأمريكية» لا يتحقق بتكثيف القصف ولا بتوسيع الحصار، بل بإعادة تعريف الأمن الإسرائيلي كجزء من أمن جماعي إقليمي، لا كجزء من اصطفاف ضيق مع قوة عظمى واحدة. هنا فقط يمكن الحديث عن شرق أوسط أقل هشاشة، وعن إسرائيل لا تخاف كل صباح من أن تستيقظ وحدها في مواجهة جغرافيا وتاريخ أكبر من قدرتها على الاحتمال.

