أكد الكاتب التركي المخضرم ممتازَر توركونه أن السلطة في تركيا إما غير مدركة أو عاجزة عن وقف التدخلات القضائية التي تستهدف المعارضة، مشيراً إلى أن هذه التدخلات تتحول إلى “نيران صديقة” تلحق أضراراً جسيمة بالحكومة نفسها.
ولفت توركونه إلى أن المشهد السياسي بات أقرب إلى مسرحية يُتابعها الناخبون، حيث يقارنون بين ما يجري في الساحة السياسية وبين تجاربهم الشخصية، مما يعزز دعمهم للمعارضة، لدرجة أن حزب الشعب الجمهوري قد يفوز في الانتخابات حتى لو رشح “كُرسياً” كما قال.
وأشار توركونه إلى أن “النيران الصديقة” هي مصطلح عسكري يُستخدم لوصف الأخطاء القاتلة التي يرتكبها الحلفاء ضد بعضهم، مستشهداً بحادثة قصف القوات الجوية التركية للمدمرة “كوجاتيبي” خلال عملية قبرص في سبعينات القرن الماضي. وأوضح أن التنسيق بين الوحدات العسكرية الكثيرة والكبيرة يخلق مشكلات في الإدارة والتوجيه، وهو ما ينطبق أيضاً على الحكومات، حيث تتشكل شبكات مصالح واسعة تحاول الدفاع عن السلطة لكن بطريقة غير منسقة، ما يؤدي إلى نتائج عكسية تُضعف الحكومة بدلاً من حمايتها.
دور القضاء في إضعاف الحكومة بدلاً من حماية سلطتها
وبحسب توركونه، فإن التدخلات القضائية الأخيرة التي تستهدف المعارضة ليست سوى أمثلة على “نيران صديقة” تضر بالحكومة أكثر مما تنفعها، مشيراً إلى أن القضاء هو من يخوض حرباً تُضعف الحكومة، بينما لا تحتاج المعارضة إلى بذل جهد يُذكر. وأوضح أن هذه التدخلات تُذكّر بالمثل القائل: “جاء ليصلح حاجبه ففقأ عينه”، إذ تسعى السلطة القضائية إلى حماية الحكومة لكنها في الواقع تضرّ بها.
وفي معرض حديثه عن دور القضاء والأجهزة الأمنية، قال توركونه إن هناك أربع مؤسسات رئيسية تشكل الدولة وتمتلك أدوات الحكم: القضاء، والشرطة، والجيش، والدبلوماسية. وأوضح أن العسكريين والدبلوماسيين يتمتعون برؤية واسعة تحتم عليهم اتخاذ قرارات شاملة، بينما يقتصر عمل القضاة وضباط الشرطة على القضايا التي بين أيديهم، مما قد يؤدي إلى قرارات ضيقة الأفق وغير مدروسة.
وأشار إلى أنه شهد مراراً حالات كان فيها القضاة وضباط الشرطة، رغم ذكائهم وكفاءتهم في مجالاتهم، يفتقرون إلى الفهم الشامل للقضايا العامة، ومع ذلك فإنهم يُبدون آراءً حاسمة ويُقدِمون على خطوات تفتقر إلى الحكمة، معتقدين أن سلطتهم كافية لحل جميع المشكلات. ولفت إلى أن غالبية التدخلات القضائية ضد المعارضة تنبع من هذا الوهم.
القضاء يهزّ المعارضة… لكن من المستفيد؟
يرى توركونه أن القضاء يُحاول زعزعة المعارضة عبر فتح تحقيقات وملفات قانونية، إلا أن النتائج تأتي عكسية، حيث إن التدخلات القضائية تُسهم في إضعاف الحكومة بدلاً من تقويتها. وأوضح أن أي تدخل خارجي في المشهد السياسي يُضعف السلطة الحاكمة عندما يصبح محور اهتمام الرأي العام، لأن الشعب يُدرك مدى تأثير الظلم على النظام القضائي وعلى توازن القوى.
واستشهد توركونه بالتحقيقات التي تستهدف البلديات التابعة لحزب الشعب الجمهوري، موضحاً أن عدم فتح ملفات الفساد الخاصة ببلديات حزب العدالة والتنمية يخلق انطباعاً لدى الرأي العام بأن السلطة تستغل القضاء كأداة سياسية، مما يزيد من الضرر الذي يلحق بالحكومة نفسها.
وأشار أيضاً إلى أن التحقيق في قضية شهادة رئيس بلدية إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، حوّل الموضوع إلى نقاش أوسع حول “الشهادات الجامعية”، وهو ما جعله سلاحاً ذا حدين يضر بالحكومة بقدر ما يُحاول إضعاف المعارضة، إذ هناك ادعاءات مماثلة تشوب شهادة أردوغان أيضًا.
غياب سيادة القانون وتقويض استقلالية القضاء
شدد توركونه على مبدأ قانوني أساسي، وهو أن “لا جريمة بلا نص قانوني”، مؤكداً أن القضاء لا يملك الحق في توسيع نطاق تفسير القوانين الجنائية، لأن ذلك يتعارض مع المبادئ الأساسية للقانون، مثل تلك المنصوص عليها في قوانين حمورابي وقوانين سولون و”هَبْيَس كوربُس” (Habeas Corpus Act) في الأنظمة الحديثة.
وفي هذا السياق، استشهد بحادثة اعتقال مدير قناة “خلق تي في”، سعاد توكتاش، لمدة 34 يوماً بتهمة “العمل كوكيل تأثير”، وهي تهمة غير منصوص عليها في القانون، معتبراً أن مثل هذه القرارات تُضعف الثقة في استقلالية القضاء. كما انتقد تدخل “مجلس القضاة والمدعين العامين” في قرارات القضاة، مستشهداً بإقالة القاضي الذي أمر بالإفراج عن الصحفية آيشه (عائشة) باريم، واعتبر ذلك دليلاً على فقدان القضاء لاستقلاليته.
واختتم توركونه مقاله بالإشارة إلى أن هذه الأوضاع لم تعد حالات استثنائية، بل تحوّلت إلى نمط عام يُظهر أن القضاء أصبح طرفاً في المنافسة السياسية، مما يؤدي في النهاية إلى تآكل شرعية الحكومة وتقويض سلطتها بدلاً من تعزيزها.

