في قراءة تحليلية معمقة للمشهد السياسي التركي وعلاقاته الإقليمية المتوترة، يستعرض الكاتب الصحفي والمحلل السياسي التركي أمره أوسلو، الأستاذ السابق في أكاديمية الشرطة التركية، رؤية استشرافية حول ما يصفه بـ”المرحلة الأخيرة” في خطة تقويض حكم الرئيس رجب طيب أردوغان.
ويرى أوسلو أن الدوائر السياسية وجماعات الضغط الإسرائيلية انتقلت من مرحلة الدعاية الممنهجة إلى التنفيذ الفعلي لعملية تهدف إلى إزاحة أردوغان عن المشهد السياسي، معتبراً أن التصريحات الأخيرة الصادرة عن القيادة الإسرائيلية تمثل “حلقات الختام” في حصار سياسي واستخباراتي محكم.
تصاعد النبرة الإسرائيلية وارتباك الموقف التركي
يشير أوسلو إلى أن الخطاب الإسرائيلي تجاه أردوغان شهد تحولاً جذرياً؛ حيث انتقل من المناكفات التقليدية إلى توجيه رسائل مباشرة ودقيقة تهدف إلى إصابة أهداف محددة. ويستدل المحلل التركي على جدية هذا التهديد من خلال رد الفعل الاستثنائي للمتحدث باسم حزب العدالة والتنمية، عمر جيليك، الذي خرج بتصريحات مطولة تعكس حالة من القلق والذعر داخل أروقة الحكومة التركية.
ويرى أوسلو أن السلطة في أنقرة أدركت أخيراً أن “الدائرة بدأت تضيق” وأن التحركات الإسرائيلية لم تعد مجرد مناورات إعلامية، بل هي جزء من استراتيجية تهدف إلى إنهاء الحقبة الحالية.
عزل تركيا استراتيجياً: فخ الـ F-35 والمنظومات الدفاعية
في تحليل أعمق للجذور الاستخباراتية للأزمة، يربط أوسلو بين حرمان تركيا من مقاتلات F-35 وبين ما يصفه بتغلغل العناصر “القومية المتطرفة” (أرجنكون) داخل مفاصل الدولة بتنسيق غير مباشر مع المصالح الإسرائيلية. ويوضح أن هؤلاء الجنرالات والمسؤولين، الذين سبق لبعضهم التعاون مع الموساد في حقبة التسعينيات، هم من دفعوا أردوغان نحو فخ منظومة S-400 الروسية، مما أدى إلى طرد تركيا من برنامج F-35 وإضعاف قدراتها الجوية بشكل جعل أجواءها “مستباحة” أمام التفوق التكنولوجي الإسرائيلي.
علاوة على ذلك، يؤكد أوسلو أن إسرائيل نجحت من خلال جماعات ضغطها في واشنطن في منع وصول هذه المقاتلات إلى تركيا، لضمان عدم حدوث توازن في القوى الجوية في المنطقة، خاصة في ظل التوترات في الساحة السورية. ويرى أن أردوغان أصبح الآن في وضع دفاعي مهزوز، حيث يحاول التخلص من المنظومة الروسية دون جدوى، بينما تستمر الضغوط الخارجية في استغلال “بارانويا” السلطة لديه لدفعه نحو مزيد من العزلة عن حلف الناتو.
ورقة “كبش الفداء”: الربط بين أنقرة وطهران
يطرح المحلل السياسي التركي فرضية مثيرة حول مستقبل المواجهة الإقليمية، مشيراً إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يجهز “خطة بديلة” في حال تعثرت الجهود الأمريكية لإسقاط النظام الإيراني بحلول نهاية عام 2026. وتعتمد هذه الخطة على جعل أردوغان “كبش فداء“ أمام الإدارة الأمريكية والمجتمع الدولي، من خلال اتهامه بتسهيل تحركات أذرع إيران وتقديم الدعم اللوجستي لها خلف الستار.
ويعتقد أوسلو أن الرسائل الأخيرة لنتنياهو، التي اتهم فيها أردوغان بمساعدة “نظام الإرهاب الإيراني”، على حد وصفه، هي تمهيد لنشر وثائق استخباراتية (سواء كانت حقيقية أو مفبركة) تهدف لإقناع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن أردوغان ليس شريكاً موثوقاً في الناتو، بل هو حليف سري لخصوم واشنطن. هذا التوجه يهدف، بحسب أوسلو، إلى انتزاع ضوء أخضر أمريكي للبدء في عملية تغيير النظام في تركيا عبر أدوات الضغط الاقتصادي والاستخباراتي.
التوظيف السياسي للملف الكردي والخطاب الإسلامي
يتوقف أوسلو عند “الرسائل المنسقة” بين نتنياهو ووزير خارجيته، يسرائيل كاتس، الذي تعمد مخاطبة قيادات المعارضة التركية (أمثال إمام أوغلو ومنصور يافاش) باللغة التركية، واصفاً أردوغان بـ “نمر من ورق”. ويرى المحلل أن إسرائيل تسعى لاستمالة المكون الكردي في المنطقة عبر اتهام أردوغان بـ”ارتكاب مجازر ضد مواطنيه الأكراد”، في محاولة لضرب شرعية النظام التركي دولياً وتحريض القوى المحلية والإقليمية ضده.
ويرى أوسلو أن إسرائيل اتخذت قراراً استراتيجياً بعد أحداث 7 أكتوبر بعدم التسامح مع أي زعيم يستخدم “الخطاب الإسلامي” كأداة للمقاومة، حتى وإن كان هذا الخطاب مجرد شعارات للاستهلاك المحلي. فبالنسبة لتل أبيب، يمثل بقاء أردوغان وقوداً لاستمرار روح المقاومة في المنطقة، وهو ما يدفعها للعمل على استبداله بشخصية لا تملك الجرأة على معارضة السياسات الإسرائيلية مستقبلاً.
استشراف المستقبل: عملية استخباراتية لا عسكرية
يخلص أوسلو إلى أن الأيام القادمة ستحمل تصعيداً في العمليات الاستخباراتية والضغوط الدولية ضد أردوغان، مؤكداً أن التغيير القادم لن يكون عبر تدخل عسكري مباشر، بل من خلال “خنق سياسي” واقتصادي مدروس. ورغم معارضته الشديدة لأردوغان، الذي يتهمه بتحويل تركيا إلى ملاذ لشبكات المافيا وتجار المخدرات، إلا أن أوسلو يبدي تخوفه من أن يتم هذا التغيير بأيدٍ إسرائيلية، داعياً القوى الوطنية التركية للتحرك وإنقاذ البلاد من هذا المصير عبر مطالبة أردوغان بالرحيل طواعية لتفنيذ المخططات الخارجية.
ملخص القول
يؤكد أمره أوسلو أن إسرائيل بدأت تنفيذاً فعلياً لخطة تهدف لإسقاط أردوغان عبر عزله استراتيجياً وربطه بالملف الإيراني، محذراً من تحول تركيا إلى ساحة لتصفيات استخباراتية دولية نتيجة سياسات النظام الحالية.

