فتح استطلاع رأي حديث الباب مجددًا أمام سؤال الخلافة السياسية داخل حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، كاشفًا عن مسافة واضحة بين التكهنات المتصاعدة حول انتقال عائلي محتمل للسلطة، وبين ما تُظهره تفضيلات الرأي العام المؤيد للحزب الحاكم.
الاستطلاع، الذي أُجري على عينة واسعة من الناخبين، سأل المشاركين عمّن يرونه الأجدر بقيادة الحزب بعد انتهاء حقبة الرئيس رجب طيب أردوغان، وجاءت نتائجه لتضع شخصيات تنفيذية وأمنية بارزة في الصدارة، بينما حل نجل الرئيس الأصغر، نجم الدين بلال أردوغان، في مرتبة متأخرة نسبيًا.
نتائج تكشف موازين القوة داخل الحزب
أظهرت المعطيات أن وزير الخارجية الحالي ورئيس جهاز الاستخبارات السابق، هاكان فيدان، تصدر الخيارات بفارق طفيف، متقدمًا على وزير الداخلية الأسبق والنائب البرلماني سليمان صويلو. كلا الاسمين حصد نسبة دعم تجاوزت ضعفي ما ناله بلال أردوغان، الذي جاء ثالثًا، متقدمًا بفارق محدود على صهر الرئيس، سلجوق بيرقدار، رئيس شركة الصناعات الدفاعية “بايكار”.
في المقابل، جاء رئيس البرلمان نعمان قورتولموش في ذيل القائمة، ما يعكس محدودية جاذبيته كمرشح محتمل لقيادة الحزب في مرحلة انتقالية حساسة.
هذه الأرقام عكست بوضوح أن القاعدة القريبة من الحزب تميل إلى شخصيات تمتلك خبرة مباشرة في مفاصل الدولة الأمنية والتنفيذية، أكثر من ميلها إلى خيار يستند إلى الروابط العائلية.
بلال أردوغان في دائرة الضوء السياسي
تزامنت نتائج الاستطلاع مع تصاعد الحضور الإعلامي والسياسي لبلال أردوغان، رغم عدم توليه أي منصب منتخب أو حكومي. فقد لوحظ في الفترة الأخيرة اتساع مساحة تغطية تصريحاته ونشاطاته، مع تقديمه في بعض المنابر بوصفه فاعلًا سياسيًا لا مجرد نجل للرئيس.
أنصاره يرون أن هذا الاهتمام يعكس نشاطه في المجال الأهلي والتعليمي، فيما يعتبر منتقدوه أن ما يجري هو محاولة تدريجية لتطبيع فكرة الاستمرارية العائلية داخل نظام يُفترض أنه جمهوري.
إرث جدلي يلاحق الاسم
يصعب فصل اسم بلال أردوغان عن سلسلة من القضايا التي أثارت جدلًا داخليًا ودوليًا على مدار أكثر من عقد. فقد دخل دائرة الضوء العالمية عقب تسريبات صوتية ظهرت خلال أزمة الفساد التي هزت تركيا في أواخر عام 2013، والتي تضمنت تسجيلات نُسبت إلى الرئيس وهو يطلب من نجله إخفاء مبالغ مالية كبيرة.
لاحقًا، أصدر أحد المدعين العامين قرارًا بتوقيف بلال أردوغان، في خطوة غير مسبوقة جرى تعطيلها سياسيًا، قبل أن تُغلق ملفات القضية بالكامل بعد إقالة ضباط الشرطة والمدعين المشاركين في التحقيق، ووصفها رسميًا بأنها محاولة انقلاب قضائي.
هذه الأحداث، المعروفة سياسيًا بملف «السابع عشر والخامس والعشرين من ديسمبر»، ربطت اسم بلال أردوغان بسردية أوسع تتعلق بشبكات الفساد وحماية الدائرة العائلية المحيطة بالرئيس.
اتهامات دولية وملفات أُغلقت دون إدانة
في السنوات اللاحقة، عاد اسم بلال أردوغان إلى الواجهة على خلفية اتهامات روسية باستفادة عائلة الرئيس من تهريب نفط من مناطق سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية، وهي اتهامات نفاها بشدة ولم تُفتح بشأنها قضايا جنائية.
كما خضع لتحقيق في إيطاليا حول شبهات إدخال أموال نقدية كبيرة أثناء دراسته هناك، قبل أن يُغلق الملف رسميًا. وفي تطور أحدث، أشارت تقارير صحفية دولية إلى مراجعة شكاوى تتعلق برشى محتملة مرتبطة باسمه في سياق صفقات داخل تركيا، وهي مزاعم نفاها عبر محاميه، ووصفتها السلطات التركية بأنها حملة تضليل.
العمل الأهلي بدل السياسة الانتخابية
عمليًا، يتركز نشاط بلال أردوغان في مجال المؤسسات المدنية والشبابية، عبر منظمات بارزة في مجال التعليم والعمل الطلابي، دون أن يخوض أي تجربة انتخابية أو يتقلد دورًا رسميًا داخل حزب العدالة والتنمية.
وفي تصريحات سابقة له، أكد أنه لا يطمح إلى تولي رئاسة الجمهورية، وأن اهتمامه ينصب على العمل غير الحكومي، وهو موقف لم يُنهِ الجدل حول دوره المستقبلي، بقدر ما زاده تعقيدًا.
ما بعد أردوغان: سؤال النظام لا الأشخاص
تعكس نتائج الاستطلاع نقاشًا أعمق يتجاوز أسماء المرشحين، ليطال طبيعة النظام السياسي نفسه بعد أردوغان. فبينما تبرز أسماء ذات ثقل أمني وتنفيذي، يبقى اسم نجل الرئيس حاضرًا في النقاش بوصفه اختبارًا لقدرة النظام الجمهوري على مقاومة منطق التوريث في ظل تركّز غير مسبوق للسلطة داخل عائلة واحدة.

