في خطوة تعكس استمرار الاهتمام الدولي بقضيته، أعلنت منظمة الليبرالية الدولية منح رجل الأعمال والناشط المدني التركي عثمان كافالا جائزة الحرية لعام 2025، وذلك رغم استمرار احتجازه منذ سنوات في تركيا.
ومن المقرر أن يُسلَّم التكريم خلال حفل رسمي يُعقد في برلين مطلع مايو، بتنظيم مشترك مع مؤسسة فريدريش ناومان، في إشارة إلى البعد الأوروبي الواسع للدعم الذي يحظى به كافالا.
تمثيل رمزي في الحفل
نظراً لاستمرار احتجازه في سجن مرمرة بإسطنبول، ستتسلم الجائزة نيابة عنه زوجته، الأكاديمية عائشة بوغرا، التي لعبت دوراً بارزاً في إبراز قضيته والدفاع عن مسيرته في مجالات العدالة والتعددية والديمقراطية.
وأكد منظمو الجائزة أن كافالا يُحتجز بشكل غير عادل، مشيرين إلى أن تكريمه يأتي تقديراً لنشاطه الطويل في دعم المجتمع المدني والحوار الثقافي.
خلفيات الجائزة ودلالاتها
تُمنح جائزة الحرية سنوياً من قبل المنظمة الدولية تكريماً لشخصيات ساهمت في تعزيز حقوق الإنسان والحريات السياسية، غالباً في ظروف تنطوي على مخاطر شخصية كبيرة.
وقد تم ترشيح كافالا لهذا العام بدعم مشترك من الحزب الديمقراطي الحر والمجموعة الألمانية لليبرالية الدولية، ما يعكس توافقاً سياسياً داخل الأوساط الليبرالية الأوروبية على رمزية قضيته.
سجل قضائي مثير للجدل
يقبع كافالا في السجن منذ عام 2017، قبل أن يُحكم عليه في عام 2022 بالسجن المؤبد المشدد، على خلفية اتهامه بالضلوع في احتجاجات حديقة غيزي التي اندلعت عام 2013 في إسطنبول، والتي بدأت كتحرك بيئي محدود قبل أن تتحول إلى موجة احتجاجات واسعة ضد الحكومة.
ورغم الانتقادات الدولية، تم تثبيت الحكم بحقه في سبتمبر 2023، ما زاد من حدة الجدل حول استقلالية القضاء التركي في القضايا ذات الطابع السياسي.
انتقادات أوروبية وأحكام ملزمة
في عام 2019، أصدرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان حكماً اعتبرت فيه أن احتجاز كافالا تعسفي ويحمل دوافع سياسية، مطالبة بالإفراج الفوري عنه.
لاحقاً، وفي عام 2022، أكدت المحكمة أن تركيا لم تمتثل للحكم، في تصعيد قانوني غير مسبوق بين أنقرة ومؤسسات مجلس أوروبا.
وفي تطور حديث، عقدت المحكمة جلسة جديدة الشهر الماضي للنظر في طلب ثانٍ يتعلق بالقضية، مع ترقب صدور قرار جديد خلال الأسابيع المقبلة، ما قد يعيد القضية إلى واجهة التوتر بين تركيا وأوروبا.
تكريم ثقافي موازٍ
بالتوازي مع الجائزة السياسية، مُنح كافالا في عام 2025 أيضاً وسام “ميدالية غوته”، الذي يُعد من أبرز الأوسمة الثقافية في ألمانيا، تقديراً لإسهاماته في تعزيز الحوار بين الثقافات.
وقد تسلمت زوجته الجائزة نيابة عنه خلال حفل أقيم في فايمار، ما عزز من حضوره الرمزي على الساحة الدولية رغم غيابه القسري.
مؤسسة “أناضولو كولتور” ودوره المدني
يُعد كافالا مؤسس منظمة الثقافة الأناضولية، التي لعبت دوراً محورياً في دعم المشاريع الثقافية وتعزيز التفاهم بين المكونات المختلفة داخل المجتمع التركي، فضلاً عن مد جسور الحوار مع أوروبا.
وقد ساهم هذا النشاط في منحه مكانة بارزة داخل الأوساط الحقوقية الدولية، التي ترى في قضيته اختباراً لمستقبل الحريات المدنية في تركيا.
انتقادات لاذعة للمرافعة التركية
في أحدث تعليقاته، انتقد كافالا بشدة المرافعات التي قدمها محامٍ يمثل الحكومة التركية أمام المحكمة الأوروبية، واصفاً إياها بأنها تعكس “نظرية عقابية خطيرة” تشبه إلى حد بعيد منطق نظريات المؤامرة في الحقبة الستالينية.
ويشير هذا التصريح إلى تصاعد حدة المواجهة القانونية والسياسية، مع انتقال القضية من إطارها القضائي إلى مستوى أوسع من السجال الأيديولوجي حول مفاهيم العدالة والدولة.
قضية تتجاوز شخص كافالا
لم تعد قضية كافالا مجرد ملف قانوني فردي، بل تحولت إلى رمز للصراع بين المعايير الأوروبية لحقوق الإنسان والرؤية السيادية التي تتبناها أنقرة في إدارة شؤونها القضائية.
كما تعكس الجوائز الدولية المتتالية محاولة لإبقاء القضية حية في الوعي العالمي، والضغط باتجاه إعادة النظر في الحكم، خاصة في ظل استمرار الانتقادات الغربية وتزايد التوتر في العلاقات التركية–الأوروبية.
في المقابل، ترى السلطات التركية أن القضية مرتبطة بأمن الدولة ومحاولات زعزعة الاستقرار، ما يجعل التوصل إلى تسوية سياسية أو قانونية أمراً معقداً في المدى القريب.

