حذّرت وكالة التصنيف الائتماني الدولية موديز من أن التوترات السياسية المتصاعدة في تركيا قد تُقوّض التقدّم الاقتصادي الذي تحقق خلال العامين الماضيين، بعد عودة الحكومة إلى السياسات النقدية التقليدية.
وخلال مؤتمر للتمويل الإسلامي عُقد في إسطنبول، أوضح ألكسندر بيرجسي، نائب رئيس وكالة موديز وكبير مسؤولي الائتمان فيها، أن النظرة الائتمانية لتركيا شهدت تحسناً ملحوظاً خلال العامين والنصف الماضيين، إلا أن هذا الزخم الإيجابي “وصل إلى مرحلة من الجمود”، على حد تعبيره.
توتر سياسي يهدد المكتسبات الاقتصادية
تأتي هذه التحذيرات في ظل تصاعد التوترات السياسية الداخلية، إذ تواجه المعارضة الرئيسية، حزب الشعب الجمهوري، حملة تضييق منذ نحو عام، أسفرت عن اعتقال رئيس بلدية إسطنبول الشهير أكرم إمام أوغلو في شهر آذار الماضي.
وتوسّعت الحملة لتشمل أكثر من عشرة رؤساء بلديات ونحو خمسمائة من كوادر الحزب ومسؤوليه، وُجهت إليهم تهم متنوعة تتراوح بين الفساد والإرهاب وتشكيل منظمة إجرامية، وهي اتهامات يُنظر إليها على نطاق واسع بأنها ذات دوافع سياسية.
ويُعدّ إمام أوغلو أبرز خصوم الرئيس رجب طيب أردوغان، وقد أُعلن في آذار الماضي مرشحاً رئاسياً لحزبه في الانتخابات المقررة عام 2028، ما زاد من حساسية الصراع السياسي القائم.
وتترقب الأوساط السياسية والاقتصادية قراراً قضائياً مرتقباً هذا الأسبوع قد يُهدد أيضاً موقع رئيس الحزب، أوزجور أوزيل، عبر احتمال فقدانه مقعده البرلماني، الأمر الذي قد يُفاقم حالة الاضطراب داخل صفوف المعارضة.
انعكاسات سياسية على ثقة الأسواق
حذّر بيرجسي من أن استمرار الاحتقان السياسي يهدد بعكس الاتجاه الإيجابي الذي تحقق على صعيد الاستقرار الكلي، مشيراً إلى أن “الاضطرابات والاحتجاجات السياسية لطالما أضعفت ثقة المستثمرين في تركيا”، وهو ما ينعكس على سعر صرف الليرة ويعقّد مهمة البنك المركزي في إدارة السياسة النقدية.
وأشار إلى أن الحفاظ على استقرار العملة المحلية يُعدّ عاملاً محورياً لمنع عودة ظاهرة الدولرة، أي لجوء المواطنين إلى تحويل مدخراتهم إلى عملات أجنبية، وهو ما قد يزيد من الضغوط على الأسواق المالية.
ويرى محللون أن القرار القضائي المرتقب ضد قيادة حزب الشعب الجمهوري قد يؤدي إلى موجة من التقلبات في الأسواق التركية، بما في ذلك أسواق الأسهم والسندات.
تحسن تصنيف الائتمان… لكن التضخم باقٍ
كانت موديز قد رفعت التصنيف الائتماني السيادي لتركيا ثلاث مرات خلال الثمانية عشر شهراً الماضية، مستندة إلى تحسن إدارة السياسات الاقتصادية ومساعي الحكومة لتطبيع الأوضاع النقدية.
إلا أن تحدي التضخم ما يزال قائماً، إذ أظهرت البيانات الرسمية ارتفاع الأسعار بوتيرة أسرع خلال شهر أيلول، مسجلة أول تسارع شهري منذ أكثر من عام.
وأوضح بيرجسي أن الطلب الاستهلاكي القوي ونمو الائتمان السريع ما زالا يغذيان الضغوط السعرية، قائلاً إن “التضخم الأساسي ظل ثابتاً تقريباً عند نسبة مرتفعة على أساس شهري منذ فترة طويلة، وهو ما يفسّر تباطؤ وتيرة تراجعه مقارنة بتوقعات البنك المركزي”.
سياسة نقدية مترددة وسط ضغوط الأسعار
ورغم تصاعد الضغوط التضخمية، خفّض البنك المركزي التركي سعر الفائدة الأساسي بمقدار نقطة مئوية واحدة ليصل إلى مستوى يقارب الأربعين في المئة، في إطار دورة التيسير النقدي التدريجية التي تتبعها المؤسسة منذ أشهر.
ويُعدّ هذا الخفض الثالث على التوالي، غير أن صانعي السياسة النقدية خفّفوا من وتيرة التيسير مقارنة بالتخفيض الكبير الذي تم في أيلول الماضي.
ولفت بيرجسي إلى أن السيطرة على التضخم قد تتطلب تباطؤاً اقتصادياً أكثر حدة، مشيراً إلى أن تجارب دول أخرى أظهرت أن “كسر الزخم التضخمي لا يتحقق عادة إلا بعد مرحلة من الألم الاقتصادي الواضح”.

