أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب إطلاق «عملية كبيرة ومستمرة» ضد إيران، مؤكداً أن بلاده لم تعد قادرة على الانتظار بعدما وصفه برفض طهران المتكرر لفرص التوصل إلى اتفاق بشأن برنامجها النووي.
وفي خطاب مصوّر بثه عبر منصة “تروث سوشيال”، وصف ترامب النظام الإيراني بأنه «راديكالي وخطير»، واتهمه بتهديد الأمن القومي الأميركي، معلناً أن الهدف هو منع إيران من امتلاك سلاح نووي «بأي ثمن».
الخطاب تجاوز الإطار العسكري التقليدي، إذ دعا الرئيس الأميركي القوات الإيرانية إلى إلقاء السلاح، وحثّ الشعب الإيراني على «استعادة بلاده»، معتبراً أن اللحظة الراهنة قد تكون «الفرصة التاريخية الوحيدة» لتغيير السلطة. هذا الخطاب يشي بأن العملية لا تقتصر على ضربات تكتيكية ضد منشآت نووية، بل تحمل في طياتها أبعاداً سياسية تتصل بإضعاف النظام أو الدفع نحو تغيير داخلي.
وكان ترامب قد سبق وأمر في حزيران/يونيو 2025 بشن ضربات جوية على منشآت نووية إيرانية رئيسية، ما يعني أن العملية الحالية تمثل تصعيداً نوعياً في مسار بدأ قبل أشهر.
تل أبيب في الواجهة: هدف «إزالة التهديد الوجودي»
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أعلن أن العملية المشتركة مع الولايات المتحدة، التي تحمل اسم «زئير الأسد»، تهدف إلى «إزالة التهديد الوجودي» الذي يشكله النظام الإيراني. واعتبر أن إيران لا يجب أن تمتلك سلاحاً نووياً يمكن أن يهدد «الإنسانية جمعاء».
نتنياهو، الصادر بحقه قرار توقيف من المحكمة الجنائية الدولية على خلفية اتهامات تتعلق بجرائم في غزة، لم يحدد سقفاً زمنياً للعملية، لكنه شدد على أنها تتطلب «صموداً وتصميماً». خطابه، كما خطاب ترامب، تضمن دعوة صريحة للإيرانيين إلى «كسر قيود الظلم» وبناء إيران «حرة ومسؤولة»، ما يعزز فرضية أن العملية تتجاوز الأهداف العسكرية المحددة إلى رهانات سياسية أوسع.
حتى الآن، لم تصدر وزارة الدفاع الأميركية أو الجيش الإسرائيلي تفاصيل رسمية دقيقة بشأن بنك الأهداف أو النتائج الأولية.
الضربة التي فجّرت الغضب: استهداف مدرسة في هرمزغان
في تطور خطير، أعلنت السلطات الإيرانية أن غارة إسرائيلية استهدفت مدرسة ابتدائية في محافظة هرمزغان، القريبة من مضيق هرمز الاستراتيجي. ووفق المسؤولين المحليين، أدى القصف إلى مقتل أربعين طالباً في مدرسة «شجرة طيبة» في منطقة ميناب، بعد أن كانت الحصيلة الأولية تشير إلى أربعة وعشرين قتيلاً قبل تحديث الأرقام.
المنطقة المستهدفة تقع بمحاذاة مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خمس تجارة النفط العالمية، ما يضفي بعداً جيوسياسياً بالغ الحساسية على أي تصعيد عسكري هناك. إيران أكدت أن المدرسة لم تكن هدفاً عسكرياً، واعتبرت الضربة «استهدافاً متعمداً للمدنيين»، في حين لم يصدر تعليق رسمي إسرائيلي مباشر حول الواقعة.
إذا تأكدت المعطيات، فإن استهداف منشأة تعليمية مدنية يضع العملية تحت مجهر القانون الدولي الإنساني، ويفتح الباب أمام محاسبة سياسية وقانونية واسعة.
الرد الإيراني: صواريخ ورسائل ردع
طهران لم تنتظر طويلاً. فقد أطلقت صواريخ باليستية باتجاه إسرائيل، واستهدفت قواعد أميركية في المنطقة، في رسالة مفادها أن الرد سيكون مباشراً ومتعدد الجبهات. هذا الرد ينسجم مع العقيدة العسكرية الإيرانية القائمة على الردع غير المتكافئ، واستخدام أدوات متنوعة لفرض كلفة مرتفعة على الخصوم.
التصعيد المتبادل أدى إلى إغلاق مجالات جوية في عدد من دول المنطقة، وإطلاق عمليات إجلاء لرعايا أجانب، وسط مخاوف من انزلاق أوسع قد يشمل الممرات البحرية الحيوية.
ردود الفعل الدولية: انقسام حول الشرعية
عدة دول سارعت إلى إدانة الضربات. وزير خارجية النرويج إسبن بارث إيده اعتبر أن توصيف الهجمات بأنها «ضربة وقائية» لا ينسجم مع قواعد القانون الدولي، موضحاً أن هذا المفهوم يشترط وجود تهديد وشيك لا يمكن تفاديه بوسائل أخرى.
موسكو وصفت الهجمات بأنها «خطيرة» وقد تؤدي إلى «كارثة واسعة النطاق»، واعتبرتها محاولة لإخضاع إيران لإملاءات سياسية بالقوة. أما باكستان، فقد أعلن وزير خارجيتها محمد إسحاق دار رفض بلاده للهجمات، داعياً إلى وقف فوري للتصعيد والعودة إلى المسار الدبلوماسي.
هذه المواقف تعكس انقساماً دولياً حول شرعية استخدام القوة، وتعيد إلى الواجهة الجدل القديم حول مفهوم «الضربة الاستباقية» وحدودها في النظام الدولي.
ما وراء العملية: هل الهدف نووي أم نظامي؟
الخطابان الأميركي والإسرائيلي تضمنا إشارات واضحة إلى تغيير داخلي محتمل في إيران، ما يطرح سؤالاً محورياً: هل العملية تستهدف حصراً تعطيل البرنامج النووي، أم أنها تمهد لمرحلة من الضغط الهادف إلى إضعاف النظام نفسه؟
من منظور استراتيجي، ضرب المنشآت النووية قد يؤخر البرنامج، لكنه لا يلغي المعرفة التقنية ولا البنية العلمية. أما الرهان على انتفاضة داخلية، فيبقى رهناً بعوامل اجتماعية وسياسية معقدة، ولا يمكن ضمان نتائجه في ظل تصاعد الحس الوطني أثناء الحروب.
هرمز والطاقة: الاقتصاد العالمي في مرمى النيران
أهمية محافظة هرمزغان لا تقتصر على بعدها العسكري، بل تتصل مباشرة بأمن الطاقة العالمي. أي اضطراب في مضيق هرمز قد يؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط، وإرباك سلاسل الإمداد العالمية، في وقت يعاني فيه الاقتصاد الدولي من هشاشة متزايدة.
من هنا، فإن التصعيد الحالي لا يُقرأ فقط في إطار صراع ثنائي، بل باعتباره أزمة ذات امتدادات عالمية تمس الأمن الاقتصادي الدولي.
بين القانون والقوة: اختبار جديد للنظام الدولي
التصعيد يضع مبدأ حظر استخدام القوة أمام اختبار جديد. الولايات المتحدة وإسرائيل تبرران تحركهما بمنع تهديد وجودي محتمل، فيما ترى دول أخرى أن غياب تهديد وشيك يقوّض مشروعية الضربات.
الجدل هنا يتجاوز الحالة الإيرانية؛ إنه يمس طبيعة النظام الدولي ذاته: هل الأولوية لاعتبارات الردع الاستباقي أم لقواعد الشرعية الدولية؟ وهل يمكن ضبط الحروب المحدودة في عصر الصواريخ الباليستية والقدرات غير المتكافئة؟
منطقة على حافة التحول
الشرق الأوسط يقف اليوم أمام مفترق طرق. فإما أن تنجح قنوات خلفية في احتواء التصعيد وفتح نافذة تفاوض جديدة، أو أن تتسع رقعة المواجهة لتشمل أطرافاً إضافية، بما يحول العملية إلى حرب إقليمية متعددة المسارح.
المؤكد أن «زئير الأسد» لم يعد مجرد اسم لعملية عسكرية، بل عنوان لمرحلة جديدة في الصراع بين محورين متقابلين، تتداخل فيها الحسابات النووية مع رهانات تغيير موازين القوى.
الخلاصة
إطلاق العملية الأميركية–الإسرائيلية ضد إيران نقل الأزمة من حافة الردع إلى منطق المواجهة المباشرة، مع انكشاف أبعاد سياسية تتجاوز الملف النووي. المنطقة والعالم أمام اختبار صعب بين احتواء سريع أو انزلاق إلى صراع واسع لا يمكن التنبؤ بحدوده.

