تقدّم سلسلة الخيال العلمي الجديدة Pluribus رؤية درامية كثيفة عن مستقبلٍ يصبح فيه البشر أقرب إلى “عقل واحد” منه إلى ملايين العقول المختلفة، وتطرح من خلال حكاية شخصية كارهة للسعادة القسرية أسئلة عميقة حول حرية الإرادة، وحدود الفرد أمام جماعة متجانسة حدّ الذوبان.
من “فِرَنولوجيا” الجمجمة إلى خرائط العقل الجماعي
في القرن التاسع عشر حاولت “الفِرَنولوجيا” قراءة شخصية الإنسان من شكل جمجمته، مدّعية أن لكل بروز أو تجويف معنى نفسي محدد، من الشجاعة إلى الفلسفة، في علم زائف قدّم نفسه بوصفه “علم العقل” بينما لم يكن سوى خيال مقنّع بعباءة التجريب.
هذه الخلفية تُستعاد بصرياً في الدقائق الأخيرة من الحلقة الثانية من Pluribus، حيث يظهر تمثال رأس بشري مقسّم إلى مناطق، في لقطة تجمع بين الجمجمة القديمة، وشاشة تلفزيون تنقل خطاب “العقل الجمعي”، وممرات معمارية تُشبه تجاويف دماغ، كأن المسلسل يقول إن الحلم القديم بتقسيم العقل إلى مناطق مضبوطة لم يمت، بل عاد في شكل أكثر خطورة: عقل واحد يبتلع العقول كلها.
إشارة من الفضاء: حين يأتي “الفيروس” كتعليمات مكتوبة
ينطلق الحدث من موقع حقيقي في نيو مكسيكو: مصفوفة التلسكوبات الراديوية المعروفة بـ “Very Large Array”، المستخدمة مراراً في سينما الخيال العلمي. هناك يلتقط العلماء إشارة غامضة تتكرر كل بضع عشرات من الثواني، قادمة من كوكب حقيقي يدور حول نجم شبيه بالشمس، يقع في المنطقة القابلة للحياة حيث يُحتمل وجود ماء سائل، ما يجعله مرشحاً لاستضافة شكل من أشكال الحياة.
يُترجم الباحثون الإشارة إلى تسلسل من أربع “نغمات” يتضح سريعاً أنها تمثيل لأربع قواعد نوكليوتيدية، فيتبيّن أنّ الرسالة ليست مخطط آلة ولا شفرة رياضية، بل تعليمات RNA بيولوجية قابلة للحقن في خلية حية، أي “فيروس” أو عامل جزيئي مصمَّم للتغيير من الداخل، لا من الخارج.
العدوى التي تصنع “العقل الواحد”
عندما يُختبَر هذا التسلسل في المختبر، يحدث ما يشبه الحادث المؤسس: تنتقل العدوى من فأر إلى عالِم عبر عضة، ثم تنتشر عبر اللعاب والهواء، قبل أن تتحول إلى حملة جوية تُسقط على البشر من الطائرات. عملية الانتقال تحمل اسماً ذا دلالة : Join، أي “الانضمام” أو “الالتحاق”، وكأنّ العدوى ليست “مرضاً” بل دعوة للاندماج.
التحول نفسه يتضمن لحظات قريبة من الموت السريري: بطء في نبض القلب، ارتعاش، فقدان للوعي، ثم استيقاظ على حالة من الرضا التام. من يموتون في هذه المرحلة لا يُقتلون بفعل العامل نفسه، بل بفعل الظروف المحيطة (سقوط، ارتطام)، ما يمنح “الفيروس” صبغة تقنية دقيقة: هو لا يدمّر الجسد، بل يعيد برمجته؛ من ينجو يخرج من العملية أكثر هدوءاً، وأكثر طمأنينة، وأكثر استعداداً لذوبان حدوده في الآخرين.
عالم بلا جوع ولا حرب… ولكن بلا “أنا”
في العالم الذي يصفه المسلسل بعد انتشار العدوى، يختفي الجوع، تتراجع أشكال العنصرية، تتوقف الحروب، ويصبح تقاسم الخبرة والمعرفة أمراً تلقائياً: بإمكان شخص عادي قيادة طائرة نقل عسكرية معقّدة لأنه بات متصلاً بخبرات طيارين مخضرمين شاركوا في العقل نفسه.
غير أن هذه “النعمة” تحمل وجهاً آخر: الحدود بين الأنا والآخر تُمحى، والخصوصية النفسية تتبخر، وكل انفعال حاد من فرد واحد يمكن أن يهزّ البنية العاطفية للعقل الجماعي بأكمله، ما يكشف هشاشة “اليوتوبيا” التي بُنيت على وحدة الوعي، ويحوّل السعادة الدائمة إلى حالة قابلة للانهيار بفعل خطأ واحد في مكان غير متوقَّع.
كارول: بطلة مضادة في زمن السعادة المفروضة
في قلب هذه البنية تقف شخصية كارول ستوركا، كاتبة روايات مغامرات قراصنة لا تحب كتبها ولا قرّاءها، غارقة في السخرية والتشاؤم والعادات المدمّرة، وتبدو كأنها “أسوأ مرشّحة” لدور بطلة كلاسيكية. لكنها واحدة من قلة نادرة – نحو بضعة عشر شخصاً – لا يتأثرون بالعدوى، وتُصبح مقاومتها الطبيعية لعملية “الانضمام” سبباً في أن تتحول إلى محور الصراع: إنقاذ العالم من ماذا بالضبط؟ من الحروب والفقر… أم من فقدان حرية أن نكون مختلفين؟
اختيار اسمها واسم عائلتها يحيلان إلى طبقات من الاستعارة: إشارة إلى ممثلة تلفزيونية كوميدية مخضرمة، وإلى شخصية قديمة في الخيال العلمي تهرب من كارثة نووية لتجد نفسها في عالم يذكّرها بكوكبها الأصلي، وكأن المسلسل يلمح إلى أن ما يبدو “نجاة” قد لا يكون سوى عودة إلى دائرة أوسع من التهديد.
مقاومون بلا ثورة: الأقلية الراضية بالعالم الجديد
حين تجتمع كارول مع مجموعة من الأشخاص الذين يشاركونها صفة “المناعة”، تظهر مفارقة قاسية: كثيرون منهم مستمتعون بالعالم الجديد، بعضهم يعيش في ترف صريح، محاطاً بكل ما يمكن أن توفره ثروة غير محدودة، ومستنداً إلى قدرات العقل الجمعي في كل تفاصيل حياته.
هذا المشهد يطرح سؤالاً أخلاقياً حاداً: ما الذي يعطي لأقلية محصّنة حق السعي إلى “تحرير” أغلبية راضية؟ هل الانسجام العام، حتى لو كان مفروضاً من بنية فوق فردية، أقل قيمة من فوضى الحرية بما تحمله من ألم ووحدة وصراع؟ المسلسل يضع متفرجه أمام هذا التناقض من دون وعظ مباشر، مكتفياً بعرض الإغراءات والمخاطر جنباً إلى جنب.
العقل الجمعي كاستعارة: بين شبكات التواصل والذكاء الاصطناعي
البنية نفسها يمكن قراءتها كاستعارة مزدوجة لعالم اليوم. من جهة، صورة العقل الواحد المتصل تذكّر بوعود شبكات التواصل الاجتماعي: اتصال دائم، مشاركة آنية لكل حدث، وهالة من السعادة المُمسرحة في صور وتعليقات لا تتوقف. الجميع يعرف كل شيء عن الجميع، لكن الثمن هو تآكل الحياة الداخلية الخاصة لصالح “واجهة” جماعية.
من جهة أخرى، يشبه سلوك “السعداء” في المسلسل أسلوب المساعدات الرقمية والبرامج الحوارية الذكية: ردود مؤدبة على الدوام، نبرة متفائلة لا تغضب، قابلية عالية لامتصاص الانفعال من الطرف الآخر من دون أن ترتجف لغتها. في هذا المعنى، يبدو أن العمل يقدّم تحذيراً من عالم تُفلتر فيه المشاعر حتى تصبح الحوارات سلسة تماماً، لكن بلا خشونة بشرية أو زوايا حادة، فيفقد الإنسان أحد أهم أسلحته: القدرة على الرفض الغاضب والصدام المنتج.
“This show was made by humans”: دفاع عن شرارة الإبداع
تأكيد صُنّاع المسلسل في الشارة الختامية على أن العمل “صنعه بشر” ليس تفصيلاً زخرفياً، بل موقف مبدئي من سؤال الإبداع في عصر الأتمتة والذكاء الاصطناعي. إذا كان ممكناً – كما يقول الحوار النقدي المعاصر – تكليف خوارزمية بكتابة الواجبات المدرسية، وتأليف اللوحات، وتركيب القصص، فما الذي يتبقى للإنسان بوصفه كائناً يبدع لا يستهلك فقط؟
من هذه الزاوية، يمكن قراءة Pluribus كدفاع عن “الشرارة الخلّاقة” غير القابلة للاختزال في معادلات، وعن الفوضى الشعورية التي تجعل كل رأس عالماً مستقلاً، حتى عندما يخطئ ويتناقض ويُسيء الفهم. التجانس هنا ليس فضيلة، بل تهديد وجودي: حين يصبح كل شيء قابلاً للقياس والتسوية، تُمحى الفروق التي تعطي للحياة معناها.
بين خرائط الجمجمة وشاشة الخطاب الموحد
عودة الصورة الفِرَنولوجية في إطار واحد مع شاشة التلفزيون وخطاب السلطة تعيد تركيب الأسطورة القديمة: كانت الفِرَنولوجيا تعد بأن تقرأ العقل وتضبطه من الخارج؛ أما في عالم المسلسل، فالعقل الجمعي يتسلل إلى الداخل أولاً ثم يتحدث باسم الجميع.
في اللقطة التي تخاطب فيها “السلطة الجماعية” كارول، لا يكون البث هذه المرة من واحد إلى كثرة، بل من كثرة إلى واحدة. الشعار المرفق – “نحن هو نحن جميعاً” – يوحي بأن التعدد قد ذاب في ضمير واحد، وأن كل خروج عن السرب ليس فقط انحرافاً، بل خلل يجب إعادته إلى القالب بلطف، أو عزله كاستثناء غير مرغوب فيه.
خلاصة
المسلسل Pluribus يقدّم عالماً تعيش فيه البشرية في بحبوحة سلام وسعادة تحت سقف وعي جماعي واحد، لكنه يسأل بثبات: هل تستحق هذه الطمأنينة ثمن فقدان الفرد لحقه في الاختلاف، في الغضب، وفي أن يخطئ وحده؟ من خلال شخصية كارول المقاومة للاندماج، يعود العمل إلى سؤال قديم بصيغة جديدة: ماذا يبقى من الإنسان إذا تحوّل إلى وحدة في عقل شامل، تُدار انفعالاته ومعارفه كبيانات يمكن ضبطها، وتُستبدل فوضى الحرية بكمال مصطنع لا يقبل التمرد؟

