بقلم: يـاوز أجـار
أتناول بين الحين والآخر في مقالاتي قراءات لعدد من أبرز المفكرين والسياسيين في العالم العربي، مسلّطًا الضوء على رؤاهم تجاه القضايا الراهنة والمنهجيات الفكرية التي تقف وراءها. وقد تناولتُ سابقًا مقاربة المفكر السوري جودت سعيد لمسألة فلسطين. أمّا اليوم، فأتوقف باختصار عند رؤية أحد أبرز العقول في الفكر المصري المعاصر، عبد الوهاب المسيري، ومنهجه في تناول القضية الفلسطينية.
مفكر يصعب تصنيفه
يُعدّ المسيري مفكرًا مستقلاً لا ينتمي تنظيميًا لأي حركة سياسية، ويتمتع بمسار فكري نقدي ومتعدد الطبقات، يمنع وضعه داخل أي إطار أيديولوجي ضيق. فقد تأثر في بداياته بالفكر الماركسي، ثم انتقل لاحقًا إلى مقاربة معرفية وثقافية وأخلاقية تتمحور حول الإنسان. هذه التحولات الفكرية جعلته خارج التصنيفات التقليدية؛ فلا يمكن وصفه—بالمعنى الدقيق—بأنه إسلامي تقليدي، أو قومي عربي، أو ليبرالي علماني. لذلك تُعدّ تسميته مفكرًا مستقلاً طور منظورًا نقديًا واسعًا حول الحداثة والاستعمار وأزمة الإنسان، وصفًا أكثر اتساقًا مع تجربته المعرفية.
وقد برز اسم المسيري على نطاق واسع بفضل موسوعته الضخمة “اليهود واليهودية والصهيونية“ في ثمانية مجلّدات، والتي تمنحه موقعًا مميزًا ضمن الأدبيات المتعلقة بالقضية الفلسطينية. فمقاربته لا تنطلق من تحليل سياسي تقليدي، بل تستند إلى أسس معرفية وتاريخية وحضارية أعمق، تجعل قراءته للقضية فريدة من نوعها.
الأساس المفاهيمي
تنطلق قراءة المسيري للصهيونية من نقده لبُنى الحداثة الغربية وصورها السياسية والاجتماعية. إذ يرى أن الصهيونية ليست حركة دينية أو إثنية خالصة، بل مشروع استيطاني–استعماري ارتبط بنزعة العقل الأداتي (الوظيفي الاستغلالي)، وبنية المركز والهامش، وسياسات التوسع التي تشكل جزءًا أصيلًا من الحداثة الغربية. ومن خلال هذا الإطار المفاهيمي، يضع المسيري القضية الفلسطينية في سياق تاريخي عالمي أوسع، يمكّن من فهمها ضمن صورة شاملة تتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة المباشرة.
وظيفية الدولة الإسرائيلية
يعتبر المسيري أن إسرائيل ليست “دولة طبيعية” قائمة على عقد اجتماعي داخلي، وإنما “دولة وظيفية” أُنشئت ضمن منظومة إقليمية ودولية لتأدية أدوار محددة. وتشمل هذه الأدوار تثبيت موازين القوى في المنطقة لصالح قوى دولية معينة، وضمان التفوق الاستراتيجي في الشرق الأوسط، وتمكين التدخل في دينامياته السياسية الإقليمية عند الحاجة. ومن هذا المنظور، تصبح القضية الفلسطينية جزءًا من بنية النظام الدولي، لا مجرد صراع بين كيانين متجاورين.
تحليل الخطاب الصهيوني
يولي المسيري أهمية خاصة لتفكيك الخطاب الصهيوني ومكوناته التاريخية والأسطورية. فهو يرى أن هذا الخطاب يجمع بين سرديات لاهوتية قديمة وممارسات استعمارية حديثة، ويعيد إنتاج مفاهيم مثل “الحقوق التاريخية” و“أرض الميعاد” في إطار مشروع استيطاني معاصر.
هذه القراءة تكشف التفاعل بين الخطاب والممارسة، وتوضح كيف تُستخدم السرديات لتبرير الواقع السياسي القائم.
موقع الفلسطينيين داخل البنية الاستعمارية
يركز المسيري على البعد الإنساني للقضية، معتبرًا أن المشاريع الاستعمارية ليست مجرد سيطرة على الأرض، بل هي أيضًا محو للهوية وإنتاج لأنماط من العنف البنيوي تجاه الذاكرة الجماعية. وبهذا يضع التجربة الفلسطينية في إطار “الإقصاء الاجتماعي” و“تفكيك الذاكرة”، مؤكدًا أن جوهر الصراع يرتبط بالعدالة والكرامة وحقوق الإنسان، وليس فقط بالحدود السياسية أو الاعتبارات الدينية.
العالم العربي ومسارات التفاوض
ينظر المسيري إلى مسارات التفاوض—خصوصًا بعد تسعينيات القرن الماضي—بوصفها عمليات تجري داخل بنية من اختلال القوة، ما يجعل نتائجها محدودة القدرة على إحداث تغيير جوهري في الواقع. كما يشير إلى التناقض بين الخطاب المعياري للفاعلين الإقليميين وممارساتهم السياسية الفعلية، وهو ما أدى برأيه إلى إنتاج تسويات تعيد إنتاج الوضع القائم بدل تغييره.
رؤية المسيري للحل: دولة واحدة بمواطنة متساوية
على خلاف النموذج القائم على دولتين، يدعو المسيري إلى تصور يقوم على دولة ديمقراطية واحدة، يتساوى فيها جميع السكان في الحقوق والواجبات، ويرتكز إلى مفهوم المواطنة الدستورية بدل الانتماء العِرقي أو الديني. ويرى أن أي حل قابل للاستمرار يقتضي تفكيك البنية الاستيطانية–الاستعمارية قبل كل شيء، وفتح المجال أمام صياغة نظام سياسي جديد أكثر عدالة.
هذا الطرح ينقل النقاش من حدود الصراع الإثني–الديني إلى آفاق أوسع تقوم على المساواة والعدالة وإعادة بناء المجال السياسي على أسس إنسانية وعقلانية.
مقاربة شاملة
تقدّم قراءة المسيري للقضية الفلسطينية إطارًا تحليليًا يتجاوز التفسيرات الجيوسياسية المباشرة، لتربط بين الحداثة والاستعمار والهوية وحقوق الإنسان في منظومة متكاملة. فالصهيونية عنده نموذج من نماذج الاستعمار الحديث، والحل—وفق رؤيته—يرتكز إلى مواطنة متساوية وبنية سياسية جديدة تقوم على العدالة، لا على الامتيازات العرقية.
وتتقاطع مقاربته مع نقاشات أكاديمية متصاعدة حول نموذج الدولة الواحدة، ودراسات ما بعد الاستعمار، وسياسات الهوية، ونقد الحداثة، مما يمنح أطروحاته حضورًا مستمرًا في الأدبيات المعاصرة حول القضية الفلسطينية.

