دخل برنامج المقاتلة التركية من الجيل الخامس “كاآن” مرحلة حساسة، مع تسلّم أنقرة دفعة محدودة من محركات الطائرات، في وقت لا تزال فيه الكمية الأكبر رهينة موافقات أميركية معقّدة، تعكس استمرار تداعيات الخلاف السياسي–العسكري بين البلدين.
وزير الدفاع التركي يشار غولر أكد، في رد كتابي على استجواب برلماني، أن تركيا تسلمت عشرة محركات فقط من أصل صفقة أكبر تشمل تسعين محركًا مخصصًا للمقاتلة الجديدة، موضحًا أن الدفعة الأولى وصلت بالفعل، فيما لا تزال المفاوضات جارية مع الحكومة الأميركية بشأن التراخيص اللازمة لتوريد الثمانين محركًا المتبقية.
اعتماد مرحلي على المحرك الأميركي
بحسب ما أوضحه غولر، فإن برنامج “كاآن” يعتمد حاليًا على محرك F110-GE-129E الأميركي الصنع، وذلك في إطار عقدين فرعيين تشارك فيهما كل من شركة الصناعات الجوية والفضائية التركية «توساش» وشركة «جي إي إيروسبيس».
العقد الأول، الذي أُنجز تنفيذه جزئيًا، أتاح تسليم عشرة محركات، بينما يغطي العقد الثاني توريد الدفعة الأكبر، لكنه لا يزال عالقًا بسبب متطلبات الترخيص والموافقات السياسية داخل الولايات المتحدة، في ظل مناخ تشريعي متشدد تجاه أنقرة.
العقوبات الأميركية وظل منظومة S-400
تتعقّد مسألة المحركات في سياق أوسع يرتبط بالعقوبات الأميركية المفروضة على تركيا منذ قرارها شراء منظومة الدفاع الجوي الروسية S-400. هذه العقوبات، المفروضة بموجب قانون «مواجهة خصوم أميركا عبر العقوبات» الصادر عام 2017، أدت منذ دخولها حيز التنفيذ إلى تقييد وصول أنقرة إلى تقنيات دفاعية أميركية حساسة.
ورغم مرور سنوات على فرض العقوبات، لا يزال الموقف الأميركي الرسمي ثابتًا، إذ تشترط واشنطن تخلي تركيا الكامل عن منظومة S-400 قبل النظر في أي إعفاءات أو تسهيلات تتعلق ببرامج التسليح المتقدمة.
الكونغرس… العقدة الأكثر صلابة
التأخير لا يرتبط فقط بالإدارة الأميركية، بل بالكونغرس الذي يُظهر مقاومة واضحة لأي تخفيف للعقوبات. فقد شدد عدد من النواب في رسائل رسمية متكررة على ضرورة الإبقاء على إجراءات «CAATSA»، معتبرين أن استمرار امتلاك تركيا للمنظومة الروسية يمثل عائقًا قانونيًا وأمنيًا أمام أي تعاون عسكري موسع.
وفي هذا السياق، جرى التذكير بنصوص تشريعية تلزم الإدارة الأميركية بتقديم ضمانات مكتوبة للكونغرس تؤكد أن تركيا لم تعد تمتلك منظومة S-400، كشرط مسبق لأي استثناء أو تنازل.
تحذيرات تركية من انسداد المسار
في موازاة ذلك، حذّر وزير الخارجية التركي هاكان فيدان من أن التراخيص الخاصة بمحركات “كاآن” تواجه تعطيلًا داخل الكونغرس الأميركي، مشيرًا إلى أن إطالة أمد القيود قد تدفع أنقرة إلى البحث عن بدائل خارج الإطار الأميركي، إذا استمرت حالة الجمود.
وتعكس هذه التصريحات قلقًا تركيًا متزايدًا من تأثير الخلاف السياسي على الجدول الزمني للمشروع، خاصة مع اقتراب مراحل أكثر حساسية من الاختبارات والتصنيع.
الرهان على المحرك الوطني
بالتوازي مع المسار الأميركي، تواصل تركيا العمل على تطوير محرك محلي للمقاتلة، في محاولة لتقليص الاعتماد الخارجي على المدى المتوسط. ووفق ما كشفه وزير الدفاع، اختارت شركة «صناعات محركات الطائرات التركية» مفهوم محرك TF35000 ليكون أساسًا لمحركات نسختي «KAAN Block 30» و«Block 40».
وقد جرى توقيع عقد مرحلة التصميم الأولي، على أن يُستكمل هذا المسار في مطلع عام 2026، وهو ما يعني أن المحرك الوطني لا يزال في مرحلة هندسية مبكرة، ولن يكون متاحًا لتغطية الاحتياجات العاجلة للبرنامج خلال السنوات القليلة المقبلة.
انتقادات برلمانية وتساؤلات زمنية
في المقابل، وجّه النائب المعارض إلهامي أوزجان أيغون انتقادات مباشرة لرد وزارة الدفاع، معتبرًا أن مصير ثمانين محركًا أساسيًا بات مرهونًا بقرارات تُتخذ خارج تركيا. كما تساءل عن كيفية التوفيق بين الجدول الزمني الطموح لإنتاج المقاتلة، وبين حقيقة أن المحرك المحلي لم يتجاوز بعد مرحلة التصميم الأولي.
وتزداد أهمية هذه التساؤلات في ضوء إعلان أنقرة نيتها تسليم أول مقاتلة “كاآن” إلى سلاح الجو التركي بحلول نهاية عام 2028، وهو موعد يبدو مرتبطًا بشكل مباشر بحسم ملف المحركات.

