قدّم المفكر الإسلامي التركي المعروف علي بُولاج سلسلة مواقف مثيرة للجدل خلال مشاركته، في فيديو نشر على يوتيوب، تناول فيها قراءته الخاصة لما جرى في 15 تموز 2016، والعوامل الداخلية والخارجية التي مهّدت له، إضافة إلى تقييمه لمسار السياسة التركية في سوريا وما رافقه من تحولات اجتماعية وفكرية داخل البلاد.
وتعيد تصريحاته فتح نقاش واسع حول تلك المرحلة المفصلية التي ما زالت تلقي بظلالها على المشهد التركي حتى اليوم.
رواية بُولاج حول انقلاب 2016
يرى علي بُولاج أن محاولة الانقلاب الغامضة في 2016 لم تكن مجرد تحرك داخلي منعزل، بل جاءت وفق تصور قال إنه من تخطيط روسي يستهدف إعادة توجيه موقع تركيا الجيوسياسي. وبحسب روايته، فإن الهدف كان دفع أنقرة تدريجياً بعيداً عن بنية الأمن الغربي والاقتراب من موسكو في مرحلة شهدت توتراً مع الغرب وتراجعاً في الثقة بين أنقرة وحلفائها التقليديين. ويشير إلى أن مسار العلاقات التركية–الروسية بعد 2016 يعزز قراءته، حيث اتخذت أنقرة منحى أكثر استقلالاً عن الناتو وأكثر تقارباً مع موسكو في ملفات حساسة.
الدور الداخلي: تحالفات قومية–أوراسية
يؤكد بُولاج أن العوامل الداخلية لم تكن أقل تأثيراً، إذ يعتبر أن التيارات الأوراسية والقومية والوطنيّة داخل مؤسسات الدولة وجدت في الانقلاب فرصة لإعادة تشكيل موازين القوة، مستثمرة ما رآه “فراغاً سياسياً” واحتقاناً اجتماعياً. وبرأيه، جرى توظيف الحدث لاحقاً لإعادة ضبط مراكز النفوذ داخل الدولة واستعادة الخطاب القومي الصارم.
استخدام الحدث لتصفية مجموعات اجتماعية
يذهب بُولاج إلى أن محاولة الانقلاب تحولت سريعاً إلى منصة لإعادة بناء الدولة على أسس أيديولوجية تقليدية، مشيراً إلى أن الدستور المؤسس للجمهورية نظر تاريخياً بعين الريبة إلى المتدينين والأكراد على السواء. ويرى أن ما أعقب 2016 من إقصاءات واسعة للمتدينين في مؤسسات الدولة، وتضييق على قنوات التعبير الكردية، جاء في سياق إعادة تشكيل المشهد الداخلي ليتوافق مع سردية “الأمن القومي” التي تبنّتها الدولة العميقة.
عودة “الكمالية” وانتشار نزعات جديدة
يصف بُولاج المرحلة بأنها شهدت “استعادة نسق الدولة الكمالية”، ليس فقط في مؤسسات الحكم بل في المجال الثقافي أيضاً. ويشير إلى أن تراجع المرجعية الدينية الرسمية وتنامي خطاب “اللاأدريّة” و”الديست” بين الشباب نتاج سياسة ثقافية جديدة اتخذت طابعاً معلناً بعد 2016، في ظل تفكك الروابط التقليدية داخل المجتمع وتزايد الاستقطاب السياسي.
الذكريات السورية: عرض غير مسبوق من دمشق
روى بُولاج جانباً مما وصفه بـ”الفرصة التاريخية” التي ضيّعتها تركيا في علاقتها مع سوريا قبل اندلاع الثورة. وأعاد التذكير بلقاء جمعه عام 2007 برئيس الوزراء السوري آنذاك محمد ناجي العطري، الذي قال له إن دمشق كانت مستعدة للاندماج الاقتصادي والسياسي مع تركيا إلى مستوى يصل حدّ التحول إلى “الولاية الـ81” لتركيا، شريطة احترام خصوصيات تتعلق بالإصلاح وعدم المسّ بعلاقات سوريا الإقليمية.
ويرى بُولاج أن أنقرة فوّتت هذه اللحظة الفريدة التي كان يمكن أن تعيد رسم صورة الشرق الأوسط، قبل أن تتجه لاحقاً نحو مقاربة أكثر صدامية في الملف السوري.
انتقاد مباشر لسياسة أحمد داود أوغلو
انتقد بُولاج بشدة سياسة وزير الخارجية الأسبق أحمد داود أوغلو الذي قاد الانفتاح الأول ثم تبنّى لاحقاً نهج إسقاط النظام السوري. ويشير إلى عرض قدمه داود أوغلو لقيادات إسلامية في إسطنبول خلال اجتماع مطوّل استغرق ساعات، أعلن فيه خطته لرحيل الرئيس بشار الأسد خلال فترة قصيرة. ويضيف أنه حذّر يومها من أن سوريا مقبلة على حرب أهلية طويلة، وأن للنظام قاعدة اجتماعية لا يمكن تجاوزها بسهولة، وينبغي سوريا حتى تحقق تحولا ديمقراطيا بصورة تدريجية، لكن تحذيراته وتوصياته لم تلق قبولا سواء من قبل داود أوغلو أو زعماء الجماعات الإسلامية المشاركين في اللقاء.

