تتجه الساحة السورية إلى مرحلة جديدة من التنافس الإقليمي، مع تقارير عن مساعٍ تركية لنشر أنظمة رادار داخل الأراضي السورية، في خطوة تحمل أبعادًا عسكرية وسياسية تتجاوز الجغرافيا السورية، وتمسّ مباشرة حرية الحركة الجوية الإسرائيلية ومسارات العمليات بعيدة المدى في المنطقة.
رادارات تركية ومعركة السيطرة على المجال الجوي السوري
خلال الأسابيع الأخيرة، عملت أنقرة على الدفع بخطة لنشر منظومات رادار في سوريا، بما يتيح مراقبة النشاط الجوي فوق أراضيها. ووفق ما تداوله مسؤولون استخباراتيون غربيون، فإن هذه المنظومات ستُمكّن من رصد حركة الطائرات الإسرائيلية التي تستخدم الأجواء السورية بشكل متكرر، سواء لتنفيذ ضربات داخل سوريا أو لعبور المجال الجوي باتجاه أهداف أبعد، لا سيما في إيران.
وتقوم الخطة، بحسب المعطيات المتداولة، على نقل أنظمة الرادار رسميًا إلى الجيش السوري، بينما يتولى تشغيلها فعليًا طاقم تركي، ما يمنح أنقرة سيطرة مباشرة على البيانات والمعلومات التي يتم جمعها، ويعزز نفوذها العسكري والاستخباراتي في العمق السوري.
حساسية إسرائيلية متصاعدة
تشكل هذه الخطوة مصدر قلق واضح لإسرائيل، التي تعتمد منذ سنوات على المجال الجوي السوري كمسار عبور استراتيجي لعملياتها الجوية بعيدة المدى. وتكمن المخاوف الإسرائيلية في أن رصد الطلعات الجوية عبر أنظمة تركية سيزيد من مستوى المخاطر، سواء على صعيد كشف التحركات أو تضييق هامش المناورة العملياتية.
وفي هذا السياق، سبق لإسرائيل أن حذّرت علنًا من أي إجراءات من شأنها تقييد حريتها العسكرية في سوريا، خصوصًا في ظل استمرارها بتنفيذ غارات جوية متكررة هناك. كما تحدثت تقديرات استخباراتية غربية سابقة عن سعي تركي للعب دور مزوّد الدفاع الجوي لسوريا، بما في ذلك التمركز في قواعد استراتيجية مثل قاعدة “تي-4” الجوية.
سوريا ما بعد الأسد… تمدد تركي منظم
تأتي هذه التحركات في ظل تحولات سياسية كبرى شهدتها سوريا عقب انهيار حكم بشار الأسد في ديسمبر 2024، وصعود الرئيس أحمد الشرع، ما فتح الباب أمام إعادة ترتيب العلاقات الإقليمية. واستغلت أنقرة هذا التحول لتعزيز نفوذها الأمني والعسكري، والدخول في تنسيق أعمق مع دمشق الجديدة.
وفي هذا الإطار، شهدت العاصمة السورية لقاءً لافتًا في الثاني والعشرين من ديسمبر، جمع الرئيس السوري بكل من وزير الخارجية التركي، ووزير الدفاع، ورئيس جهاز الاستخبارات، حيث تركزت المباحثات على ملفات أمنية حساسة، أبرزها مستقبل “قوات سوريا الديمقراطية” ذات الغالبية الكردية، التي تعتبرها أنقرة تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي.
توتر سياسي يتجاوز الساحة السورية
يتزامن الجدل حول الرادارات مع تصعيد سياسي وإعلامي متبادل بين أنقرة وتل أبيب. فقد جاءت هذه التطورات عقب لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي مع قادة اليونان وقبرص، وإطلاقه تصريحات حذّر فيها من أطراف إقليمية قال إنها “تحلم بإحياء إمبراطوريات غابرة”، في إشارة فسّرها مراقبون على أنها موجهة لتركيا.
الرئيس التركي رد بدوره خلال اجتماع لحزب العدالة والتنمية في أنقرة، معتبرًا تلك التصريحات استفزازية، ومؤكدًا أن بلاده لن تسمح بالمساس بحقوقها في شرق المتوسط. كما وجّه اتهامات مباشرة للقيادة الإسرائيلية بالمسؤولية عن مقتل أكثر من سبعين ألف فلسطيني، في تصعيد يعكس عمق الخلاف السياسي بين الطرفين.
أبعاد استراتيجية أوسع
تعكس مساعي نشر الرادارات تحوّل سوريا إلى ساحة اختبار جديدة لتوازنات القوة الإقليمية، حيث لم تعد المواجهة مقتصرة على الضربات العسكرية، بل امتدت إلى معركة السيطرة على السماء والمعلومات. وفي هذا المشهد، تسعى تركيا لترسيخ نفسها لاعبًا مركزيًا في منظومة الأمن السوري، بينما ترى إسرائيل في ذلك تهديدًا مباشرًا لحرية تحركها واستراتيجيتها الإقليمية.

