ياوز أجار
على مدى عقود طويلة في سياسات الشرق الأوسط، شكّلت دولتان معادلتي ردع متبادلتين من دون الانزلاق إلى حرب مباشرة: إيران وإسرائيل. الأولى سعت إلى تطويق إسرائيل عبر خطاب “محور المقاومة” وبناء شبكات نفوذ إقليمية، فيما اعتبرت الثانية هذا التمدد تهديداً وجودياً لأمنها القومي. هذا التموضع المتبادل لم يحدد فقط الحسابات العسكرية، بل أسهم أيضاً في صياغة أنماط إنتاج الشرعية السياسية لدى الطرفين.
اعتمدت إسرائيل في تبرير مقاربتها الأمنية الصارمة في الساحة الفلسطينية، وما رافقها من عمليات تعرّضت لانتقادات واسعة في إطار القانون الدولي، على وجود فاعلين مرتبطين بإيران مثل حماس وحزب الله والحوثيين في اليمن. هذا الارتباط وفّر لتل أبيب أرضية خطاب “البقاء”. في المقابل، جعلت إيران من معاداة إسرائيل عنصراً تأسيسياً في هوية النظام، بما يعزز تماسكه الداخلي ويعيد إنتاج شرعيته.
هذه العلاقة القائمة على عداوة متبادلة ومُؤَسِّسة للشرعية يمكن توصيفها في أدبيات العلاقات الدولية بـ“التناظر السلبي”: كل طرف يبني الآخر كتهديد، بينما يخدم استمرار هذا التهديد استدامة بنيته السياسية.
السؤال المطروح اليوم: كيف سيتشكل السلوك الاستراتيجي لإسرائيل إذا تراجعت قدرة إيران الإقليمية بصورة كبيرة أو أصبحت هامشية؟ وما الدور الذي يمكن أن تؤديه تركيا في معادلة جديدة كهذه؟
تحوّل “هندسة التهديد” لدى إسرائيل
عقيدة الأمن لأي دولة لا تقوم فقط على التهديدات المادية، بل أيضاً على التهديدات المتخيّلة أو المُدرَكة. خلال العقدين الماضيين، تمحورت المقاربة الأمنية الإسرائيلية حول اعتبار النفوذ الإيراني ووكلائه تهديداً مركزياً. هذا التوصيف سهّل الإبقاء على سياسات أمنية متشددة في الملف الفلسطيني.
إذا فقدت إيران موقعها المركزي في هذه الهندسة، فستجد إسرائيل نفسها أمام ثلاثة مسارات محتملة:
إمّا التوجّه نحو مسار تطبيع أوسع مع العالمين العربي والإسلامي، مستندة إلى منطق التكامل الاقتصادي وتقليل المخاطر عبر الاعتماد المتبادل، بما ينسجم مع نظريات العلاقات الدولية التي ترى في الترابط الاقتصادي عاملاً مخففاً للتوترات الأمنية.
أو إعادة إنتاج تهديد جديد لأغراض التعبئة الداخلية. فالدول أحياناً تستخدم التهديد الخارجي ليس فقط لاعتبارات أمنية، بل أيضاً لتماسكها السياسي الداخلي. في هذا السيناريو، قد يُعاد تعريف “الخصم” على أسس أيديولوجية أو سياسية بدل الأساس الجغرافي.
أو الإبقاء على المقاربة الأمنية الراهنة من خلال التركيز على الفاعلين المحليين مثل حماس وحزب الله، بحيث ينتقل مركز الثقل من محور إقليمي إلى محور محلي، مع استمرار لغة الأمن ذاتها.
هل يمكن أن تصبح تركيا “إيران الجديدة” لإسرائيل؟
العلاقة بين تركيا وإسرائيل ذات طابع مفارق: التبادل التجاري والتعاون الاقتصادي يستمران في أحيان كثيرة، فيما يتصاعد الخطاب السياسي المتبادل، خصوصاً في عهد الرئيس رجب طيب أردوغان، الذي يمنح القضية الفلسطينية موقعاً مركزياً في خطابه الداخلي والخارجي.
هذا التوتر الخطابي ينتج توازناً وظيفياً للطرفين. فإسرائيل لا تنظر إلى تركيا بوصفها تهديداً عسكرياً منظومياً على غرار إيران، لكنها تدرك وزنها في مجال الشرعية الإقليمية. الحضور التركي في ملف فلسطين يسلّط الضوء على السياسات الإسرائيلية ويجعلها أكثر عرضة للنقد الدولي.
مع ذلك، من غير المرجح أن تعيد إسرائيل تعريف تركيا كتهديد استراتيجي شامل، نظراً لعضويتها في حلف شمال الأطلسي وتكاملها مع المنظومة الغربية وعمق العلاقات الاقتصادية المتبادلة. غير أن التوتر الخطابي قد يُستثمر سياسياً لتبرير سياسات أمنية معينة.
العامل الأميركي ومخاطر العزلة
شكّلت الولايات المتحدة على مدى عقود الضامن الاستراتيجي الأول لإسرائيل. غير أن تصاعد الانتقادات داخل المجتمع الأميركي للسياسات الإسرائيلية-الأمريكية، وتحول أولويات واشنطن نحو منطقة آسيا–المحيط الهادئ، يخلقان حالة من عدم اليقين الاستراتيجي.
إذا خفّضت الولايات المتحدة انخراطها الإقليمي، ستجد إسرائيل نفسها مضطرة إلى تعزيز شرعيتها الإقليمية والالتزام بصورة أكبر بالقانون الدولي وبناء علاقات متوازنة مع محيطها. وإلا فإن خطر العزلة الإقليمية قد يتفاقم.
الخيار التركي: بين الزعامة الخطابية والقوة المعيارية
الفراغ الجيوسياسي المحتمل بعد تراجع إيران يضع أمام تركيا مسارين:
إما مواصلة الاستثمار في الخطاب السياسي والتوتر الرمزي لتعزيز موقعها الإقليمي،
أو تعزيز نموذج الدولة الديمقراطية القائمة على سيادة القانون لتصبح مركز جذب معياري.
المسار الثاني يعكس مفهوم “القوة المعيارية” في العلاقات الدولية، حيث يُبنى التأثير عبر الوساطة، والتكامل الاقتصادي، وإنتاج المعايير القانونية، لا عبر التفوق العسكري وحده. الموقع الجغرافي والتاريخي والثقافي لتركيا يمنحها أرضية مناسبة لهذا الدور، شريطة ترسيخ مؤسساتها الديمقراطية وقدراتها المؤسسية.
إعادة توازن الشرق الأوسط
تفكك ميزان القوة القائم على ثنائية إيران–إسرائيل لن يؤثر في هذا المحور فحسب، بل سيعيد تشكيل الخريطة الجيوسياسية برمتها. قد يفتح ذلك المجال لإعادة تفاوض على ترتيبات الأمن الإقليمي، بحيث تتحمل القوى المحلية مسؤولية أكبر.
إذا اختارت دول المنطقة التعاون المؤسسي بدلاً من المنافسة الصفرية، فقد يشكّل هذا التحول عتبة لإعادة توازن إقليمي حقيقي. أما إذا استمر منطق بناء التهديدات والوكالات المسلحة، فسيُعاد إنتاج الدورة نفسها بأسماء مختلفة.
نحو عقلنة حتمية؟
في حال تراجع إيران أو خروجها من المعادلة، سيكون أمام إسرائيل خياران واضحان: إما الإبقاء على المقاربة الأمنية عبر استبدال صورة العدو، أو تبني استراتيجية أكثر توازناً تستند إلى الشرعية الدولية والعلاقات الإقليمية المستقرة.
على المدى البعيد، يبدو المسار الثاني أكثر استدامة، لأن التفوق العسكري لا يعوّض غياب الشرعية السياسية. إن بناء علاقة طبيعية ومؤسساتية قائمة على الاحترام المتبادل بين تركيا وإسرائيل قد يشكّل أحد مفاتيح الاستقرار الإقليمي.
مستقبل الشرق الأوسط لن يتحدد فقط بميزان القوة، بل أيضاً بمستوى الالتزام بالقانون، وبالقدرة الديمقراطية الداخلية للدول. المرحلة المقبلة قد تحمل بقدر ما تحمل من مخاطر فرصاً لإعادة صياغة التوازن. فالتاريخ كثيراً ما يُخرج من رحم الأزمات فرصاً جديدة؛ غير أن النتيجة النهائية ستبقى حصيلة تفاعل خطط متعددة، قد تقود إلى واقع مختلف تماماً عما خطط له كل طرف.

